روض الأنف در شرح سیره نبوی
الروض الأنف في شرح السيرة النبوية
ناشر
دار إحياء التراث العربي
ویراست
الأولى
سال انتشار
١٤١٢ هـ
محل انتشار
بيروت
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَكْثَرِينَ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلّا النّظّامُ، فَإِنّهُ زعم أنه جسم، وجعله الأشعرىّ اصطكا كافى الْجَوَاهِرِ بَعْضُهَا لِبَعْضِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطّيّبِ: لَيْسَ الصّوْتُ نَفْسَ الِاصْطِكَاكِ، وَلَكِنّهُ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَيْهِ، وَلِلِاحْتِجَاجِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلَهُمَا مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا، وَلَوْ قَدّرْت الْكَلَامَ صِفَةً قَائِمَةً بنفس الحجر والشّجر، والصوت عيارة عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ مَعَ الْكَلَامِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ: أَيّ ذَلِكَ كَانَ، أَكَانَ كَلَامًا مَقْرُونًا بِحَيَاةِ وَعِلْمٍ، فَيَكُونُ الْحَجَرُ بِهِ مُؤْمِنًا، أَوْ كَانَ صَوْتًا مُجَرّدًا غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِحَيَاةِ؟ وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ هُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النّبُوءَةِ «١»، وَأَمّا حَنِينُ الْجِذْعِ فَقَدْ سُمّيَ حَنِينًا، وَحَقِيقَةُ الْحَنِينِ يَقْتَضِي شَرْطَ الْحَيَاةِ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ تَسْلِيمَ الْحِجَارَةِ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا فِي الْحَقِيقَةِ إلَى مَلَائِكَةٍ يَسْكُنُونَ تِلْكَ الْأَمَاكِنَ، يُعَمّرُونَهَا، فَيَكُونُ مَجَازًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) «٢» وَالْأَوّلُ أَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَتْ كُلّ صُورَةٍ مِنْ هَذِهِ الصّوَرِ الّتِي ذَكَرْنَاهَا فِيهَا عَلَمٌ عَلَى نُبُوّتِهِ- ﵇ غَيْرَ أَنّهُ لَا يُسَمّى مُعْجِزَةً «٣» فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلّمِينَ إلّا مَا تَحَدّى به الخلق، فعجزوا عن معارضته.
(١) ليس لأحد أن يتكلم عن حقيقة مثل هذا، فالله وحده هو أعلم بالحقيقة.
(٢) القرية- كما يقول الراغب فى مفرداته- اسم للموضع الذى يجتمع فيه الناس، وللناس جميعا. وبهذا لا يكون فى الاية مجاز كما هو المشهور.
(٣) يجب أن نسميها بما سمى الله، وهى: آية، وبهذا تتجاوب الكلمة مع سكينة القلب والفكر وتقديسهما، ونخلصها مما دار حول المعجزة من جدال، واضطرم من شحناء وموازنات بينها وبين السحر والكرامة. والله سبحانه يسمى ما أعطاه للرسل آيات، لا معجزات فلنقف عند هذا.
2 / 389