531

الروض المعطار في خبر الأقطار

الروض المعطار في خبر الأقطار

ویرایشگر

إحسان عباس

ناشر

مؤسسة ناصر للثقافة-بيروت

ویراست

الثانية

سال انتشار

١٩٨٠ م

محل انتشار

طبع على مطابع دار السراج

حرف الميم
مأرب (١):
وقد تخفف وهو الأكثر، مدينة باليمن على ثلاثة أيام من صنعاء، وعلى ثلاثة مراحل من ظفار، قيل هي سمة للملك، وقيل هو مسكن سبأ، وهو بسكون الهمزة، قال الله تعالى " لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال " وقال الشاعر (٢):
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما وكان السد من بناء سبأ بن يشجب، وكان ساق إليها سبعين واديًا ومات قبل أن يستتمه، فأتمته ملوك حمير بعده، وقيل بناه لقمان بن عاد وجعله فرسخًا في فرسخ، وجعل له ثلاثين شعبًا.
والسد (٣) بين جبلين وهما يسميان المأزمين وتمر منه بموضع كان يقسم عليه ماء هذا السد في الجاهلية في صحراء ورمال، وهي التي تسمى جنة اليسرى، قال الله تعالى " لقد كان لسبأ في مسكنهم " فيمر حتى ينتهي إلى مأرب وفيه معدن الملح الذي أقطعه النبي ﷺ أبيض بن حمال المأربي فجعله أبيض صدقة للمساكين، وعوضه النبي ﷺ حائطًا يعرف بالجدرات على باب مأرب، فلا يخلو من ثمر صيفًا وشتاء وربيعًا وخريفًا لأن ﷺ دعا له بالبركة. ومأرب مدينة سبأ، وبها عرش بلقيس، وكان العرش مبنيًا على أساطين حجارة وكل اسطوانة منها فوق الأرض ثمان وعشرون ذراعًا، فاحتمل العرش وبقيت الأساطين على حالها، ويقال إن تحت الأرض من تلك الأساطين مثل ما فوقها، وغلظ كل أسطوانة لا يحتضنه أربعة نفر، وفيها سوق ومسجد والمنزل بها، ثم يخرج منها ويقطع عرض الوادي فيدخل جنة اليمنى التي ذكرها الله تعالى، وليس فيها من الأشجار إلا الأثل والأراك، وتبذر فيها الذرة.
وكانت مأرب في القديم مدينة كبيرة عامرة بالخلق مشهورة في بلاد العرب، وبها صرواح قصر سليمان ﵇، ولم يبق منه إلا طلل دارس، وبها قصر بلقيس كما قلناه، وبها كان السد المسمى بالعرم، وكان أكثر أهل مأرب سبأ من قبل العرب الحميرية، وكان لهم من الكبر والتيه والعجب على سائر الأمم ما هو مشهور، وكانوا مع ذلك يكفرون بأنعم الله سبحانه، وكان لهم بهذه المدينة سد عظيم البناء وثيق الصنعة قد أمنوا من خلله، وكان الماء يرتدع خلفه نحوًا من عشرين قامة، فكان الماء محصورًا من جوانبه قد أمنوه وأوثقوا صناعته، وكانت مساكنهم عليه، ولكل قبيلة منهم شرب معلوم يسقون منه ويصرفونه في مزارعهم قسمة عدل، وكان السد يعلو هذه المدينة كالجبل المنيف، فلما أراد الله سبحانه انقطاع دولتهم وتشتيت جماعاتهم أرسل عليهم السيل، فجاءهم وهم نائمون، فدفع السد ومر بالمدينة وما جاورها من القرى والبهائم والأمم والنبات، وقتل الكل بالكل وفرقهم شذر مذر، وتفرقت العرب وتبلبلت الألسن، وساروا في المشارق والمغارب، وبقي بالمدينة آثار تراجع إليها أقوام من حضرموت فهم يعمرونها إلى الآن،

(١) معجم ما استعجم ٤: ١١٧٠.
(٢) نسبه البكري في معجمه للأعشى وسيذكره المؤلف في هذه المادة منسوبًا لأمية بن أبي الصلت.
(٣) البكري (مخ): ٦٧.

1 / 515