الضّعيف إذا لم يجد في الباب غيره لأنّه أقوى عنده من رأي الرّجال. انتهى. وفي هذا شهادة واضحة على أنّ رواية الحديث الضّعيف لا تستلزم الجهل بالحديث، فأحمد وأبو داود من أئمة علم الأثر بلا مدافعة، وهذا الحديث الضّعيف الذي ذكروه، ليس حديث الكذّابين، ولا الفسّاق المصرّحين، فذلك عندهم لا يستحق اسم الضّعف، وإنّما يقال فيه: إنّه باطل، أو موضوع، أو ساقط، أو متروك، أو نحو ذلك، وإنّما الضّعيف حديث الرّاوي الصّدوق الذي ليس بحافظ، أو المعلول (١) بالاختلاف في رفعه وإسناده، والمضطرب (٢) اضطرابًا يسيرًا، أو نحو ذلك مما اختلف العلماء في التّعليل للحديث به، أو الجرح للرّاوي به، ولا تظهر قوّة في دليل ردّة، ولا دليل قبوله، وأكثر التّضعيف إنّما يكون من جهة الحفظ، وعند الأصوليين: أنّه لا يقدح به حتى يكون الخطأ راجحًا على الصّواب، أو مساويًا له، وفي المساوي خلاف عندهم، وقد تقدّم ذكر هذه المسألة، وهي مقرّرة في كتب «علوم الحديث» وكتب «الأصول»، فعلى هذا الوجه تكون رواية الإمام أبي حنيفة عن بعض الضّعفاء مذهبًا واختيارًا، لا جهلًا واغترارًا.
المحمل الثّاني: أن يكون ضعف أولئك الرّواة الذين روى عنهم مختلفًا فيه، ويكون مذهبه وجوب قبول حديثهم، وعدم الاعتداد بذلك التّضعيف؛ إمّا لكونه غير مفسر لسبب، أو لأجل مذهب، أو غير ذلك، وقد جرى ذلك لغير واحد من العلماء والحفّاظ، بل لم
(١) في (س): «المعلوم»!.
(٢) في (س): «واضطرب»!.