رسائل في اللغة
رسائل في اللغة
ویرایشگر
د. وليد محمد السراقبي
ناشر
مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية
ویراست
الأولى
سال انتشار
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.
محل انتشار
الرياض
الرسالة الأولى: جواب اعتراضات ابن العربي على شرح ابن السيد البطليوسي لديوان أبي العلاء المعري
1 / 35
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على محمد وآله وسلم تسليما
أخبرني الفقيه النحوي أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي بهذا الجزء قراءة مني عليه، قلت له: قلت - رضي الله عنك -: إن أولى ما ابتدى به كل ذكر وافتتح، وأحجى ما تيمن به في كل أمر واستنجح، ذكر الله تعالى، ثم الصلاة على رسوله المصطفى الذي هدانا بهداه، وعلمنا ما تقصر عقولنا عن بلوغ أدناه، وأهدى إلينا الاستبصار مفروغا منه، ولم يحوجنا إلى البحث بالمقاييس عنه، نشكره شكر المعترف بالعجز عن شكر نعماه، ونسأله أن يوفقنا إلى ما يزلف إليه ويرضاه، ونستعيذ به من وساوس الصدور، وسوء عواقب الأمور.
رأيت - أراك الله منهج الحق وسننه، وجعلك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اعتراضات ابن العربي علينا في شرح شعر المعري، ولسنا ننكر معارضة المعارضين، ومناقضة المناقضين، فإنها سبيل العلماء المعروفة وطريقهم المألوفة:
(ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه)
وإنما ننكر من أمر هذا الرجل - وفقنا الله وإياه إلى صالح العمل - أنه تسعف وما
1 / 37
أنصف، وجاء في المعارضة والخلاف، بأشياء استظرفتها غاية الاستظراف. وذلك أنه وجد أبياتا أفسدها ناسخ الديوان، بالزيادة والنقصان، فعادت مكسور الأوزان، ونبت العين عما فيها من الشين، فنبه عليها في طرر الكتاب، وبين فيها وجه الصواب. كأنه توهم - عفا الله عنه - أننا من الطائفة التي لا تقيم الشعر، ولا تحسن شيئا من النظم والنثر.
وكذلك وجد خطأ من الناسخ في بعض الأحرف، فظنه من قبل المؤلف المصنف، فتفضل بأن نبه عليه في طرر الكتاب، فحصلنا عنده في مرتبة من لا يقيم وزن الشعر ولا يحسن الإعراب. ولولا أن يظن بنا هذا الرجل - وفقه الله - عجزا من الانتصاف والانتصار، كما توهم علينا الجهل بالإعراب وكسر الأشعار، لصمتنا عن مراجعته صمت الرخم، ولم نتشاغل يتصرف لسان في مجاوبة ولا قلم. ولكن سوء معاملته أحوج إلى الكلام، ولو ترك القطا ليلا لنام، وقد الله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا سيئا وهو خير لكم﴾ [البقرة ٢: ٢١٦] ثم قال أبو الطيب:
(رب أمر أتاك لا تحمد الفعـ ... ـعال فيه ونحمد الأفعال)
(وقسى رميت عنها فردت ... في نحور الرماة عنها النصالا)
فأول ما نقوله لهذا الرجل - وفقنا الله وإياه-: إن كان ما يجري مجرى السهو ويعد من اللغو، يحسب من الذنوب، ويعتد به في العيوب، فقد كتبت بخطك في معارضتك إيانا أشياء صحفت فيها وحرفت، وكسرت صحيح الوزن، ولحنت أقبح لحن، فنحن نتوخى فيها معك مناقشة الحساب، ونعاتبك أشد ما يكون من العتاب:
1 / 38
(فلا تغضبن من سيرة أنت سرتها ... وأول راض سيرة من يسيرها)
ولقد أذكرني أمري معك حكاية الصولي ﵀ قال: كتبت إلى بعض إخواني كتابا، فورد على جوابه يقول فيه: ورد في كتابك وقد أعبت عليك حرفا فراجعه. وأفاني جوابك ووقفت عليه، وقد عبت عليك قولك "أعبت"، وهذا حين نبدأ للمناقشة، ونتهيأ للمخاصمة".
وجدناك - أعزك الله - لما انتهيت إلى قول المعري:
(أراني في الثلاثة من سجوني ... فلا تسأل عن الخبر النبيث)
(لفقديناظري ولزوم بيتي ... وكون النفس في الجسد الخبيث)
كتبت في الطرة منكرا لروايتنا، متوهما للتصحيف علينا الذي قرأناه: "شجوني" - بالشين المعجمة - فأي مدخل ههنا لـ "الشجون" - أبقاك الله -؟ ! وهل هذا إلا من التصحيف الطريق؟ ! إنه وصف المعري أنه مسجون في ثلاثة سجون، ثم فسر
1 / 39
السجون فجعل جسمه سجنا لنفسه، وبيته سجنا لشخصه، وعماه سجنا لبصره، لأنه كان يرى أن النفس معذبة بكونها في الأجسام، وأن رأحتها في مفارقتها عند الحمام. وبنحو من هذا المنزع سمى نفسه رهين المحبسين.
وقد كرر هذا المعنى في مواضع كثيرة من شعره استحسانا له، وإن لم يستوف هذا الغرض كله. فمنها قوله:
(أتحدث للأرواح راحة مطلق ... إذا فارقن، إن الجسوم سجون؟)
ومنها قوله:
(أتأسى النفس للجثمان تبلى ... وهل يأسى الحيا لفراق دجن)
(وما ضر الحمامة كشر ضنك ... من الأقفاص كما أصر سجن)
ووجدنا من لحنك وتصحيفك أنك لماوصلت إلى قول المعري:
(ولولا حفاظي قلت للمرء صاحبي ... [بسيفك] قيدها فلست أبالي)
1 / 40
أنكرت قولنا وكتبت في الطرة قول ابن مقبل اقعد به:
(يا صاحبي على ثاد سبيلكما ... علما يقينا الما تعلما خبري؟)
(إني أقيد بالمأثور راحلتي ... ولا أبالي لو كنا على سفر)
فاستطرفنا ما كتبته جدا، لأنك أردت أن تخطئنا من وجه واحد فأخطأت أنت من أربعة وجوه: أحدها: أنك كتبت "ثأد" بدال غير معجمة، وهمزت الألف، وإنما هو "ثاج" - بالجيم غير مهموز، وهو ماء لخثعم. وفيه قول الشاعر:
(يا دار مية بالخفين من ثاج ... سقيت أخلاف هامي الودق ثجاج)
1 / 41
والوجه الثاني: أنك كتبت "يا صاحبي" وإنما هو "يا جارتي"، كذا في شعر ابن مقبل. ويدل على صحة ذلك قوله قبل البيت:
(قالت سليمي ببطن القاع من سرع ... لا خير في العيش بعد الشيب والكبر)
(واستهزأت تربها مني فقلت لها ... ماذا تعيبان مني يا ابنتي عصر)
(لولا الحياء وباقي الدين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري)
(ما أنتما والذي خالت حلومكما ... إلا محيران إذ يسري بلا قدر)
ثم قال: يا جارتي، وعنى بالجارتين سليمي وتربها المتقدمتي الذكر.
والوجه الثالث: أنك قلت: "ولو كنا على سفري"؛ فأثبت ياء بعد الراء وكأنك توهمت أنه أضاف السفر إلى نفسه، وتأنقت في تعريق الباء غاية التأنق ليتحقق خطؤك غاية التحقق. وليس بعد هذه الراء إلا ياء الإطلاق، وهي ياء تزاد بعد حرف الروي للترنم إذا كان مكسورا، كما تزاد بعده واو إذا كان مضموما وألف إذا كان مفتوحا. ولا تصور [في] الخط من هذه الأحرف الثلاثة إلا ألف، وسبيلها سبيل التنوين، نحو قول جرير:
1 / 42
(أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت: لقد أصابا)
والوجه الرابع: أنك قلت: معنى بيت ابن مقبل: "أقعد" بمعنى بيت أبي العلاء. وهو لا يشبه إلا في ذكر التقييد بالسيف لا غير؛ لأن ابن مقبل أراد أن يعرقبها للأضياف جودا وكرما، وأراد المعري عرقبتها ضجرا من نزاعها إلى أوطانها وتبرما. وإن غلطك في هذا لعجيب، لأن الشعر يدل على ما قلناه دلالة لا تخفى على متأمل.
ووجدناك من خطئك أنك لما وصلت إلى قوله:
(فلولاك بعد الله ما عرف الندى ... ولا ثار بين الخافقين قتام)
انكرت قولنا: إن الخافقين هما المشرق والمغرب، وكتبت في طرة الكتاب، لتعلمنا بوجه الصواب: المعلوم أن "الخافقان": جانبا الأرض من الهواء، فأردت أن تخطئنا من وجه واحد فأخطأت أنت من ثلاثة أجوه، أحدها: أنك رفعت "الخافقين" وهما منصوبان بـ"أن"، ثم صححت عليها فكان تصحيحك على اللحن أشد من اللحن. والوجه الثاني: أنك جعلت قولنا غير معروف وقولك هو المعروف. وهذا من المقلوب الذي قلناه نحن هو يعقوب بن السكيت في إصلاح المنطق. وقال مثله أيضا في كتابه "المثنى والمكنى والمبنى". وكذلك قال أبو عبيد وأبو حاتم.
1 / 43
وكذلك قال الأصبهاني في كتاب "أفعل من كذا"، وقولك هو الذي ليس بمشهور لا قولنا.
والوجه الثالث من خطئك في هذه المسألة: أنك رأيت شيئا ولم تحسن العبارة عنه، أو رأيته في كتاب من لم يحسن إيراده فحكيت قوله.
وحقيقة هذا - أبقاك الله - أن هذه المسألة من المسائل التي أنكرها بعض اللغويين على يعقوب وقال: لا يصح أن يقال للمشرق والمغرب: خافقان، لأن الخافق هو [الهواء] المتحرك المضطرب، والمشرق والمغرب لا يوصفان بالاضطراب، إنما يضطرب الهواء فيهما أول الليل والنهار، فإنما ينبغي أن يقال لهما: مخفقان لا خافقان، كما يقال لموضع الضرب: مضرب، ولموضع الغرس: مغرس، وهكذا يقال للقفر الذي يخفق فيه السراب. قال رؤية:
(ومخفق من لهله ولهله)
وهذا الذي قاله هو المعترض على يعقوب حكاه من وجهين: أحدهما: أن يعقوب لم يقله وحده، يل قاله جماعة غير يعقوب. والثاني: أن العرب قد تأتي بالمفعول به والمفعول فيه على صيغة فاعل، كقولهم: ماء دافق، وعيشة راضية،
1 / 44
وسر كاتم، ونهارك صائم، وليلك قائم. ولو جمع هذا النوع لجاء منه جزء ضخم، فمنه قول جرير:
(لقد لمتنا يا أم غيلان في السري ... ونمت وما ليل المطي بنائم)
وقال علقمة:
(فظل الأكف يختلفن بخاند ... إلى جؤجؤ مثل المداك المخضب)
ووجدناك - أبقاك الله - لما انتهيت إلى قول المعري:
(وغيض السير عينيها فلو وردت ... نطافها الطير لم تشرب بلا شطن)
أنكرت "النطاف" وكتبت في الطرة: "جميمها" روايته وصوابه. ونحن نقول: بل هذا انقلاب معناه وفساده. أي مدخل للجميم في هذا الموضوع؟ وإنما المشهور في الجميم أنه من صفة النبات لا من صفة الماء. قال أهل اللغة: تسمى البهمى قبل
1 / 45