الآلهة المصرية
لقد كان جميلا من د. كريم أن يحاول اكتشاف جديد، يضيفه إلى مجموعة إبداعات وكشوف المصريين القدماء، فقام يختار «مبدأ التوحيد» ليضعه من بين أول الكشوف التي وصل إليها المصريون في «منف»، منذ بداية الأسرات وقيام الدولة المركزية، أي منذ حوالي خمسة آلاف عام مضت، وبذلك يؤكد في موضوعه أنهم كانوا أساتذة عرب الجزيرة في ذلك، عبر الأنبياء الذين زاروا مصر وتعلموا فيها التوحيد، ثم عادوا يعلمونه في جزيرتهم، وعبر الهجرة الكبرى لكهان «منف» بعد الثورة إلى الجزيرة.
والسيد الدكتور - لا شك بمقصده - يريد أن يرفع أكثر من شأن قدامى المصريين وينزع عنهم شبهة التعدد في العبادة. وهو في ذلك يبرهن على وفاء لمصر، وحب نادر المثال مشكور، لكن البحث العلمي شيء، ومعاني الحب والكره والوفاء أو عدمه، شيء آخر، لا مكان لها في قاموس البحث العلمي، ولعله لم يغب عن بال السيد الدكتور أن مصر العظيمة بإفضالها على الإنسانية، وبكشوفها في مجال الفكر والتحضر، ليست بحاجة إلى محاولات جديدة، كأن تكون أصل التوحيد الإبراهيمي، خصوصا أن المصدر الأقدم عن رواية النبي إبراهيم ورحلاته وعبادته (أقصد التوراة، وكانت المصدر الوحيد في ذلك حتى مجيء الإسلام)، ليس فيها ما يشير إلى عبادة واحدة، ولا تشير التوراة في قصتها عن النبي إبراهيم وعهده إلى إله واحد، بل إلى «إلوهيم»، أي مجموعة الآلهة. ولم نعرف عن النبي إبراهيم أنه كان موحدا إلا عندما جاء القرآن الكريم، وأوضح أن إبراهيم النبي هو أصل التوحيد الحنفي.
نعم ولا شك أن القول بكشف المصريين لهذا المبدأ الديني الذي يمركز العبادة في ذات واحدة، ينسب لهم قصب السبق في أمر هو من الفتوح المبينة، لكن المشكلة أن ذلك لم يحدث، وإن كان قد حدث فلم يحدث إلا بعد ذلك بقرون في عهد أخناتون على ما يزعم البعض. هذا إضافة إلى أن د. كريم لم يكن موفقا كل التوفيق وهو ويحاول ذلك.
ولعل أول ما يعترض مقولة د. كريم، القائلة: إن أهل «منف» في الأسرة القديمة أول الموحدين، هو أن المصريين القدماء لم يعرفوا التوحيد بالمعنى المطلق الذي عرفناه في الإسلام، (الذي يقصده د. كريم) طوال تاريخهم الديني الطويل، فكانت الآلهة تربو على المئات، «آلهة أقاليم، وآلهة مدن، وآلهة عواصم، وآلهة للدولة، وآلهة لقوى الطبيعة، وآلهة للملوك، وآلهة الشعب» تنطبع بوجه عام بالشكل الطوطمي الممثل في رأس الحيوان على الجسد الآدمي. وكان واضحا أن المصريين قد توقفوا عن تطوير شئون الآلهة، ولم تشكل المسألة بالنسبة لهم قضية شاغلة، بعد أن انصرفوا إلى أمرين: الأول هو البناء السياسي والحضاري وتأمين الحدود عسكريا والتقدم العلمي الدنيوي، والثاني: هو التجهيز لعالم آخر مقبل يجازى فيه الإنسان على ما أتاه من أعمال في دنياه. وكان هذا المبدأ الثاني بدوره مسألة حضارية ملحة، حيث يقوم التعامل الاجتماعي بمقتضاها على أسس خلقية تضمن للمجتمع سلامته وتماسكه وأمنه؛ كي ينصرف أكثر إلى شئون الارتقاء بدولته وبحياته الأرضية، هذا إضافة إلى العامل البيئي الذي ارتبط به التعدد وسنناقشه بعد قليل.
ولعل د. كريم لم يقصد بالتوحيد ما عرفه المصريون بإله الدولة، فهو لم يكن بالمرة توحيدا إنما اعتراف بسيادة «إله الدولة» على بقية الآلهة الإقليمية تدعيما لمركزية الحكم ليس إلا، وحتى هذا الإله السيد كان يتغير مع تغير الدولة الحاكمة، فهو بداية كان «حور»، ثم في الدولة القديمة «فتاح»، ثم «أتوم رع»، ثم في الدولة الوسطى الإله «آمين » أو «آمون» المندمج ب «رع»، بل وكان هذا الإله السيد يدخل باستمرار كضلع أكبر في أسرة ثالوثية «أب وأم وابن». وهو أمر طبيعي يتسق وفكر الإنسان في المراحل الأولى من تطوره، عندما كان يتصور الإله على شبهه ومثاله، ويسلك مثل سلوكه، ويتزوج، وينجب، ثم يدخل هذا التثليث في تتسيع، حتى كان لكل مدينة تثليثها وتتسيعها الخاص، ولم يكن الإنسان في باقي أنحاء المعمورة أكثر توفيقا من ذلك. فرغم استفادة اليونان والرومان من علوم الشرق وبخاصة مصر، وكان يفترض فيهم ارتقاء أكثر سيرا مع سنة التطور، ولما ورثوه من تراث ثقافي عن مصر، فإنهم فعلا تقدموا وكونوا إمبراطوريات عظمى، وأضافوا للإنسانية رصيدا جديدا، ومع ذلك كانت آلهة الأولمب بالمئات، إضافة إلى كم هائل من مغامرات الآلهة، كان يتلى هناك بكرة وأصيلا.
لكن يبدو أن د. كريم قد رأى في التعدد لدى المصريين مثلبة ونقيصة، تعيب بقية علومهم وفنونهم، فأراد أن ينزههم عنها، وغاب عنه أن ذلك كان أمرا طبيعيا سواء كان آلهة بالمئات، أم تثليثا أم تتسيعا. أم تسبيعا كما حدث لدى الرافدين من قدامى الساميين، ولم يكن له أي أثر مباشر في تخلف اجتماعي أو حضاري، بل كانت مصر رائدة في كافة الميادين العلمية، بينما كان الآخرون في بداءة بداوتهم ينعمون (من الأنعام) أو على الأصح يتمرغون، أيا كانت ادعاءاتهم، ولعله يعلم أن العالم المتقدم اليوم - سواء في الغرب الذي يعتقد بالتثليث، أو في الشرق الذي يدين بالاشتراكية العلمية - يسمى العالم المتقدم؛ لإنجازاته في العلوم الدنيوية. ولو قسناه بمنطق د. كريم، لكان أشد العوالم تخلفا. أو يصبح واجبا عليه إثبات أن الأمريكان والسوفييت موحدون! وهو أمر لا شك عسير.
التوحيد والتعديد
وكانت فكرة التوحيد في مصر فكرة طارئة، وحالة واحدة ونادرة، حدثت فيما يزعم بعض الباحثين، إبان حكم الفرعون الشاب «أخناتون»، وانطفأت سريعا ولم يمض عليه في الحكم سبعة عشر عاما، وانقضى أمرها وانتهى، بعد ثورة قضت على حكمه، ولم يعرف مصيره بعدها. ويذهب د. كريم وراء هذا المذهب - وهو في ذلك معذور - لأن ذهابه كان وراء الرأي السائد والاتجاه الغالب بين الجمهرة، ثم هو يضيف إلى حديثه عن التوحيد «الأخناتوني» لوحة جميلة للفرعون يسجد إماما وخلفه صفوف الساجدين. ولكن الذي لم يلحظه د. كريم وهو يدلل باللوحة على معنى التوحيد، أن السجود معروف في غالبية الأديان، لدى عباد مظاهر الطبيعة والوثنيين، وليس سمة خاصة بطقس الصلاة لدى الموحدين وحدهم، والعجب في أمر أخناتون (وليس بعجيب) أن تفرغه لعقيدته لم يجن على دولته الإمبراطورية سوى الانهيار، بعد أن انصرف عن شئون دولته الدنيوية، وما تحتاجه من فنون سياسية وعسكرية وإدارية إلى تصوفه وغيابه عن واقع دولته في غيبوبة غيبية، وبعد أن ترك له أجداده إمبراطورية تمتد من الجندل الرابع جنوبا في العمق الأفريقي، إلى تركيا وأرمينيا شمالا، إلى إيران شرقا. فقد حلت بركات الفرعون الشاب بعد أن تفرغ لشئون الدين، وصم أذنيه عن نداءات الاستغاثة التي كانت تصله من الحاميات المصرية في بقاع الإمبراطورية تباعا، والتي حفظتها لنا رسائل تل العمارنة. تجأر بطلب العون ضد الثورات الإقليمية التي أخذت تنهش جسد الإمبراطورية وتقتطعه جزءا فجزء، وصاحبنا لاه في دروشته الغيبية عن غرور الدنيا، حتى عادت مصر من بعده تنكمش داخل حدودها الدولية مرة أخرى.
4
صفحه نامشخص