قطب السرور
قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور
وكان عمر يشرب على طعامه الصلب ويقول: يقطع هذا اللحم في بطوننا. وقال الشعبي: شرب أعرابي من إداوة خمرٍ فحدَّه عمر للسكر لا للشرب. ودخل عمر على قوم يشربون فقال: نهيتكم عن معاقرة الشراب فعاقرتم وهمَّ بتأديبهم، فقالوا: مهلًا يا أمير المؤمنين، نهاك الله عن التجسس فتجسستَ، ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلتَ، فانصرف وهو يقول: كل الناس أفقه منك يا عُمر.
وإنما نهاهم عن المعاقرة، وإدمان الشراب حتى يسكروا ولم ينههم عن الشرب. وأصل المعاقرة من عقر الحوض وهو مقام الشاربة، ولو كان عنده، ما شربوا، خمرًا، لحدهم.
وقيل لسعيد بن سالم: أتشرب النبيذ؟ قال: لا، قيل: ولِمَ؟ قال: أترك كثيره لله وقليله للناس. وكان سفيان الثوري يشرب النبيذ الصُّلب الذي تحمر منه وجنتاه. واحتجوا من جهة النظر أن الأشياء كلها حلال إلا ما حرم الله، قالوا: فلا نزيل يقين الحلال باختلاف ولو كان المختلفون أكثر الناس.
وأهل الكوفة فقد أجمعوا على التحليل لايختلفون فيه، وتلوا قول الله ﷿: أفرأيتم ما أنزل الله لكم من رزقٍ فجعلتم منه حرامًا وحلالًا، قل الله أذن لكم أم على الله تفترون.
قال عبد الله بن مُصعب لشريك بن عبد الله: يا أبا عبد الله، أتشرب النبيذ، قال: نعم. فقال: سبحان الله، وكيف تشربه وقد جاء في الحديث: ما أسكركثيره فقليله حرام، قال شريك: اختلف الناس فيه، فشربنا ما اختلفوا فيه، فليتك تدعُ ما أجمعوا على تحريمه.
واحتجوا في تحليل قليله بحديث علي بن أبي طالب " رض ": أن القوم يجلسون على الشراب وهو حلال فلا يزالون حتى يكون عليهم حرامًا. وقال بعض أهل النظر، قال الله ﷿: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. فنصَّ على الخمر ولم يذكر غيرها مع كثرته وشهرته، فعلم أنه قد تركه على إباحته، ولو كان أراد تحريمه لذكره ونصَّ عليه، فوجب أن القليل من هذه الأشربة الذي لا يكون منه سكرٌ، حلالٌ، للإجماع على تحريم السكر.
ويُروى عن ابن مسعود أنه قال: رأيت رسول الله " ص " يطوف بالبيت فاستسقى فأُتي بقدح من نبيذ فشمَّه، وقطب، ثم دعا بماءٍ من زمزم فصبَّه فيه وشرب ثم قال: إذا اشتد عليكم نبيذكم فاكسروه بالماء.
وما تقدَّم من قول ابن قتيبة أقرب إلى الصواب في التأويل. وقد قال القوم من أهل النظر: إن السكر حرام، وما كان دون السكر أو بعيدًا منه فلا بأس به. واحتجوا أن عصير العنب، ما دام حلوًا، فهو حلال مطلق، وكذلك إذا استحال وصار خلًا، وإنما يُحرم منه ما أسكر بالسبب المتوسط بين الحالين.
وقال بعض أهل النظر: إذا انقلبت العين بطبخٍ أو مزج ماءٍ أو غيره فقد زال التحريم على القياس. وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا كان الإنسان منتهى سكره من هذا النبيذ عشرة أقداح فشرب ثمانية أقداح أو تسعة فلم يسكر فهو رُخصة في ذلك لقول رسول الله " ص " كل مسكر حرام وفي رواية أُخرى: كل سكرٍ حرام.
وروي عن عثمان بن أبي العاص أن عمر " رض " لما فطر قال: أعندكم من شرابكم شيء، قالوا: نعم، فأتوه به فشمه فسطع في خياشيمه فكسره بالماءِ وشربه.
وعن أبي هريرة أن عمر شرب في جفنةٍ لناسٍ من أهل الطائف، فلما ذاقه قطَّب وقال: إذا اشتد متنه فاكسروه بالماءِ، ثم قال: إن نبيذ الطائف له عرامٌ، ثم شربه.
وعن حسان بن مخارق أن رجلًا كان صائمًا فأهوى، حين أفطر إلى قربةٍ فشرب منها فسكر، فأُتي به عمر ﵀، فقال الرجل: إنما شربتُ من قربتك، فقال عمر: إنما أجلدك لسكرك لا لشربك وقال: من رابه ريبٌ فليُسبحه بالماءِ. وروي عن عمرو ابن ميمون أن عمر قال: إنا لنشرب من النبيذ الشديد ليقطع لحوم الإبل في بطوننا، قال: وشربت مما عُمِل له فكان نبيذًا شديدًا. وعنه قال: شهدت عمر حين طُعن فجاءه الطبيب فقال: أيُّ الشراب أَحبُّ إليك؟ قال: النبيذ، فأتي بالنبيذ فشربه فخرج من إحدى طعنتيه.
وروى الأعمش عن النخعي عن علقمة قال: شربت عند ابن مسعود نبيذًا صُلبًا آخره يسكر.
وعن ربعيٍّ بن حراش أن عمر " رض " أتى قومًا فأخرجوا إليه نبيذًا حلوًا، فقال: أعندكم ما هو أشد من هذا؟ قالوا: نعم ولكن كرهنا أن نأتيك به، فأتوه به فكسره بالماء وشرب حتى روي، ثم أعطاه الذي عن يمينه.
1 / 107