ابن يسار إنك طالب ومطلوب يطلبك ما لا تفوته وتطلب ما لا يفوتك، أما رأيت حريصًا محرومًا وضعيفًا مرزوقًا؟ فقلت: إنّ لي دانقًا عند البقال فقال عزّ عليّ بك تملك دانقًا وتطلب العمل، وقد كان كثير من الصناع يعمل نصف يومه وثلثي يومه ثم يأخذ ما استحقه من كفايته وينصرف إلى مسجده، ومنهم من كان يعمل في الأسبوع يومًا أو يومين ويتعبد سائر الأسبوع في خدمة سيده، وقد كانوا يجعلون أول النهار وآخره للآخرة في تجارة المعاد والمرجع، ويجعلون وسط النهار لتجارة الدنيا، وفي الخبر: أنّ الملائكة إذا صعدت بصحيفة العبد من أول النهار ومن آخره فيها خير وذكر كفر الله ﷿ عنه ما بينهما من سيّئ العمل، وفي الخبر: يلتقي ملائكة الليل والنهار، عند طلوع الفجر تنفرج ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار، وعند صلاة العصر فتنزل ملائكة الليل وتنفرج ملائكة النهار فيقول الله ﷿: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يصلون وجئناهم يصلّون فيقول الله ﷾: أشهدكم أني قد غفرت لهم، وقد كان عليّ ﵁ يمرّ في سوق الكوفة ومعه الدرة وهو يقول: يا معشر التجار، خذوا الحق وأعطوا الحق، تسلموا ولا تردوا قليل الربح فتحرموا أكثر ما منع من حق إلاّ ذهب أضعافه في باطل، وقيل لعبد الرحمن بن عوف: ما كان سبب يسارك؟ فقال: ثلاث، ما رددت ربحًا قط ولا طلب مني حيوان وأخرت بيعه ولا بعت بنسإ، ويقال إنه باع ألف ناقة فربح عقلها وباع كل عقال بدرهم فربح فيها ألفي درهم، ألف أخذها وألف نفقة عليها في يومها، وقد كان الورعون يكرهون ركوب البحر للتجارة ويقال: من ركب البحر للتجارة فقد استقصى في طلب الرزق، وفي الخبر لا يركب البحر إلاّ حاجٍ أو غازٍ أو معتمر، وعن زيد بن وهب عن عمر ﵁ كان يقول: ابتاعوا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة وثمروها لهم بالأرباح، وإياكم والحيوان فإنه ربما هلك، وإياكم ولجج البحر اتجروا لهم فيها مالًا.
وكان عمرو بن العاص يقول: لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر خارج فإنّ بها باض الشيطان وفرخ، وروينا عن معاذ وعبد الله بن عمر ﵃ أنّ إبليس قال لولده زلنبور: يا زلنبور سِرْ بكتابيك وأنت صاحب السوق زين الحلف والكذب والخديعة والمكر والخيانة والخلف، وكنْ مع أول داخل وآخر خارج منها.
وروينا عن ابن عمر وابن عباس ﵃: سمعت النبي ﷺ ينهي أن يدخل السوق أوائل النهار وأن يخرج منها آخر أهلها، فإذا كان المتسبب في المعاش والمتصرف في الأسواق على هذه الأوصاف المحمودة بهذه الشروط الموصوفة قائمًا بحكم حاله