قال الراوي: فعند ذلك أمر جابر العبد أن يكتفوا المقداد كتافا وثيقا، ثم إنه أمر بإحضار ناقة وذبحوها وسلخوا جلدها وأدخل المقداد في جلد الناقة، وأمر أن يحملوه إلى بيت هنا فحملوه ووضعوه في البيت وفي النهار يجعلوه بمراحل الإبل، قال فتقدم مالك إلى جابر فقال له: يا جابر إن المقداد قتل أخي شدقم وقتل فتياني وأفتى شجعاني وأباد أبطالي وفرساني، كل هذا من أجل ابنتك المياسة وأنت أرسلت خلفي بأنك تسلمني المياسة والمقداد أفعل بهما ما أريد، فإن كان قولك صحيحا اصدقني وإن كان قولك كذبا عرفني. فعند ذلك قال جابر: حبا وكرامة لك يا ملك الزمان، فإن المياسة عبدة لك من بعض عبيدك مع المقداد، فإني آتيك بها في هذه الساعة. ثم إن جابرا نهض من وقته وساعته وأتى إلى المياسة وأمرها أن تتزين بأحسن زينة وتخرج إلى مجلسها الذي كانت تجلس فيه مع المقداد، قال: ثم إن المقداد كان في ذلك المجلس فقبضوه.
فلما أتت المياسة إلى مجلسها الذي كانت تجلس فيه مع المقداد نظرت وإذا بمالك جالس في المجلس، فلما نظرت إليه لطمت على وجهها وحثت التراب على رأسها وقالت: يا أخس العرب ويا كلب أكلب وذئب أجرب والله لا كان ذلك أبدا. فقامت من عند مالك وشقت ثوبها ورمت خمارها من على وجهها وخرجت طالبة خباءها، فعاد الناس يلومونها على تلك الفعال وهي لا تصغي إلى قول أحد منهم وقالت لهم: كفوا عن هذا الكلام فإني لا أريد غير ابن عمي المقداد.
قال الراوي: وأما ما كان من المقداد فإنه لما أصبح الصباح وصحا من سكرته وانتبه من رقدته ووجد نفسه في هذه الشدة العظيمة تحسر حسرات متتابعة.
قال الراوي: ثم إن المقداد رفع طرفه إلى السماء ونادى: «يا غياث المستغيثين ويا جائر المستجيرين ويا دليل الحائرين ويا هادي المضلين ويا رب العالمين ويا أمان الخائفين، ويا جابر المنكسرين فرج عني وعن المكروبين، اللهم إني أسألك أن تخلصني من القوم الكافرين وأن تدركني بعلي أمير المؤمنين.»
قال الراوي: هذا ما كان من المقداد. وأما ما كان من المياسة فإنها نادت بعض جواريها وقالت لها: امض في هذه الساعة إلى منزل تميمة أم المقداد وقولي لها: مولاتي تسلم عليك وتقول لك اعلمي أن المقداد قد وقع في محنة عظيمة، فإذا أردت خلاصه فاركبي ناقة وامضي إلى مدينة الرسول فهو الذي يخلص لك ولدك المقداد، وأخبريه بما جرى مع هؤلاء. قالت: فمضت الجارية إلى أم المقداد وأخبرتها بما قالت المياسة فنهضت تميمة من وقتها وساعتها وركبت ناقتها وطلبت مدينة الرسول وأرخت زمامها وضربتها بالسوط وخرجت من تحتها كالريح الهبوب، ولم تزل سائرة حتى طوى الله لها البعيد فصار قريبا وسهل الله لها كل صعب شديد، فما كان غير ساعة إلا وقد وصلت إلى المدينة، وكان بينها وبين المدينة وبين بني كندة مسيرة ثلاثة أيام فقطعتها في ساعة واحدة، فلما وصلت إلى باب المسجد عند رسول الله وإذا بالحسن والحسين عليهما السلام قد رآها تضرب الناقة وقد تركتهما عند باب المسجد، فقالا لها: ما شأنك يا تميمة تحثي الناقة؟
فلما سمعت منهما ذلك الكلام طار عقلها من معرفتهما لها فقالت لهما: من أين لكما معرفتي أن اسمي تميمة؟
قالوا: أخبرنا جدنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وأخبره جبرائيل عن رب العالمين أخبره بما جرى لولدك المقداد وبقدومك إليه. قالت:
وأين جدكم محمد المصطفى
صفحه نامشخص