ولهذه النفس الإنسانية وظائف أو ملكات، فأحط دركاتها الإدراك بالحواس، ونحن لا ندرك بحواسنا من الشيء إلا صفاته، فندرك من قطعة الذهب أنها ثقيلة الوزن وأنها صفراء ونحو ذلك، ولكنا لا ندرك ما وراء ذلك، فلا ندرك جوهر الشيء وقوامه الذي اتصف بهذه الصفات، وبعبارة أخرى ما يمكن علمه هو الصورة لا الهيولى.
ويلي هذه الدرجة في الإدراك ما سماه «الحس المشترك» ويعني به المركز الذي تتجمع فيه الإدراكات الحسية المختلفة، فهو يرى أن أنواع المعرفة - حتى أبسطها - مثل أن هذه الورقة بيضاء لا يكفي فيها إدراك حسي واحد، بل لا بد لإدراكها من مقارنة ومقابلة، وما يجمع هذه الإدراكات الحسية من الحواس المختلفة ويعمل هذه المقارنة والمقابلة هو «الحس المشترك».
ويلي هذه الدرجة في الرقي قوة الخيال أو «المخيلة» وليس يعني بها الخيال الخالق المبتكر كالذي عند الشاعر والفنان، وإنما يعني القوة التي تتجمع فيها صور الأشياء حتى بعد زوال الأشياء من أمام الحواس، وهي قوة عند كل أحد لا عند الفنان وحده.
ويليها «الحافظة»، وهي كالمخيلة في حفظ الصور، إلا أنها تزيد عليها أنها مع حفظها للصورة تدرك أنها صورة حصلت من إدراك حس ماض.
ويلي الحافظة «الذاكرة»، والفرق بينهما أن الصور التي في الحافظة تحضر أمام العقل من غير قصد واختيار، أما الذاكرة فإنها تستطيع أن تثير صورها، وتحضرها أمام العقل باختيارها.
وتلي هذا قوة العقل، والعقل نفسه له درجتان: أحطهما العقل القابل وأرقاهما العقل الفاعل، فللعقل قوة على التفكير قبل أن يفكر فعلا، فهذه القدرة على التفكير تسمى العقل القابل، والعقل المفكر بالفعل يسمى العقل الفاعل.
ومجموع هذه القوى كلها هو «النفس»، وهذه النفس كما علمنا هي صورة الهيولى، وإذ كانت الصورة لا تنفصل عن الهيولى، فالنفس لا توجد من غير بدن فهي وظيفة الجسم؛ ولهذا أنكر ما ذهب إليه فيثاغورس وأفلاطون من التناسخ، خصوصا حول الأرواح في أجسام حيوان، قائلا إن وظيفة شيء لا يمكن أن تكون وظيفة لشيء آخر، وعلاقة النفس بالبدن كعلاقة نغمات المزمار بالمزمار نفسه، فالنغمات صورة والمزمار هيولى، كذلك النفس - إن عبرت تعبيرا شعريا - هي موسيقى الجسم أو روح المزمار، فإذا قلنا بتناسخ الأرواح فكأننا نقول بانبعاث نغمات المزمار من سندان الحداد - وقد يظهر من ذلك أن هذا الرأي يستتبع رفض أية فكرة تقول بأبدية النفس؛ لأن الوظيفة تفنى بفناء العضو، وسنعرض لهذه المسألة بعد - ولكنا نقول هنا إن رأي أرسطو في النفس أرقى من رأي أفلاطون فيها ومن رأي عامة الناس اليوم، فالفكرة الشائعة عند الناس أن النفس وإن لم تكن مادة إلا أنها شيء، ويمكن أن توضع في الجسم وتخرج منه كما نضع الماء في زجاجة ونصبه منها، وأن العلاقة بين الجسم والنفس علاقة ميكانيكية بحتة، ولكن فكرة أرسطو أن النفس صورة الجسم لا يمكن أن تنفصل عنه، ولا يمكن أن توجد نفس بلا بدن، والعلاقة بينهما ليست علاقة ميكانيكية بل علاقة كل شيء بوظيفته، والنفس ليست شيئا تخرج من الجسم وتدخل فيه، بل هي وظيفة الجسم.
ويقول أرسطو إن كل ملكات النفس التي ذكرناها من إحساس وحس مشترك ... إلخ، تفنى بفناء الجسم ما عدا العقل الفاعل فإنه لا يهلك، وهو أزلي أبدي، لا أول له ولا نهاية له، قد جاء إلى الجسم من الخارج، ويفارقه عند الموت، وقد جاء من الله؛ لأن الله هو العقل المطلق، فهو يعود إليه بالموت، أعني إذا انقطع الجسم عن العمل، ولكن إذا كانت كل الملكات تفنى ما عدا العقل الفعال، فمعنى ذلك أن الحافظة أيضا تفنى، ولكن الحافظة لا بد منها للشخصية، فلولا الحافظة لكانت إدراكاتنا إحساسات متفرقة لا رابطة بينها، والحافظة هي التي تجعلني أربط ماضي بحاضري، وبعبارة أخرى هي التي تجعلني أشعر أني بالأمس هو أنا الآن، فإذا فنيت الحافظة لم تكن هناك شخصية، فكيف تكون حياة العقل الفعال وحده من غير حافظة؟ لم يتعرض أرسطو للإجابة عن هذا بوضوح.
بعد النبات والحيوان والإنسان في الرقي تكون الأفلاك، فهل يرى أنها تتمة لسلم العالم، وأنها أرقى من الإنسان وتأخذ في التدرج إلى الله؟ أو يرى أنها سلسلة وحدها لا تكمل سلم العالم الأرضي؟ رأيان لشراح فلسفة أرسطو: وليس هنا موضع شرح أدلة كل رأي.
على كل حال يرى أرسطو أن الأجسام السماوية أجسام إلهية، وأن الكواكب ومنها الشمس والقمر تدور حول الأرض في اتجاه معاكس للنجوم، وأن هذه الأجسام السماوية أرقى من الإنسان، لها قوة عاقلة أقوى مما عنده، وهي تعيش عيشة سعيدة لا يعتورها نقص، وهي أزلية أبدية، وعالمها لا يعرف الموت والفساد ونحو ذلك مما يعرفها العالم الأرضي، وليست مكونة من عناصر أربعة كالعالم الأرضي، بل هي مكونة من عنصر آخر هو الأثير - ولأنها أبدية كانت حركاتها أبدية، ولأنها مثال الكمال كانت حركتها مثال الكمال، فحركتها ليست في خط مستقيم بل هي حركة دائرية - وقوله هذا يرجح قول القائلين بأنه يرى اتصال السلسلة بين العالم الأرضي والسماوي، وأنها تكون سلما واحدا متدرجا في الرقي، وفي الذروة من ذلك كله «الله» فهو الصورة المجردة، وهو ليس في عالم زمان ولا مكان؛ لأن ما في الزمان والمكان منته محدود، والله ليس كذلك.
صفحه نامشخص