وأما دليلنا نقول أن الأدلة للإجماع ولا تخص عصرا دون عصر فإن قوله ﷿: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] لا يختص بعصر الصحابة ﵃ لأن التابعين من المؤمنين وكذلك أهل كل عصر وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقول النبي ﷺ: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" ١ ليس لشيء من هذا اختصاص بعصر دون عصر ولأنه لما كان نقل أهل كل عصر الأخبار كنقل الصحابة في أحكام التواتر والآحاد وجب أن يكون في الإجماع بمثابته ليكون كل خلف محجوبا بسلفهم وليكون الشرع محفوظا من الخطأ والغلط.
ببينة: أن أهل كل عصر حجة على من بعدهم في البلاغ فكذلك وجب أن يكونوا حجة في الإجماع.
وأما الجواب عن تعلقهم قلنا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] خطاب لجميع الأمة بإجماع الأمة.
ببينة: أنه وصفهم بما وصفهم في الآيتين لانتسابهم إلى النبي ﷺ وكونهم من أمته ولأنهم قد دانوا لشريعته وهم أتباعه في الأقوال والأفعال وهذا المعنى موجود في أهل جميع الأعصار إلى قيام الساعة ولهذا المعنى لم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه حمل الآية على أهل عصر الصحابة دون من بعدهم وأما قوله ﷺ: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ٢ فمعنى ذلك من أحد وجهين أما أنه ورد ليبين أن قول كل واحد منهم حجة وهذا صحيح على قول الشافعي ﵀ وهو محمول على أن لمن بعد الصحابة أن يرجعوا إلى قول كل واحد من الصحابة فيما يرويه عن الرسول ﷺ والدليل على أن معنى هذا الخبر ليس الإجماع أنه قال: "بأيهم اقتديتم اهتديتم" ٣ وقوله بأيهم يتناول الآحاد ولا يتناول جماعتهم وأما قولهم أن الصحابة اختصوا بعصر الرسول ﷺ ومشاهدته قلنا ولم ينبغي أنهم إذا كانوا كذلك وجب لأن يختصوا بكون إجماعهم حجة دون من بعدهم إذ ليس في اختصاصهم بما اختصوا به ما يدل على اختصاصهم بكون إجماعهم حجة دون من سواهم والله أعلم.
١ تقدم تخريجه.
٢ تقدم تخريجه.
٣ تقدم تخريجه.