أسير بجسم مشبه جسم ميت
كأني إذ أمشي به حامل نعشي
ولكنه ثأر لنفسه من أسرة الأسقام والآلام أسرته، فصب عليها من قوافيه جام السخرية والغضب. ومن ذا الذي يلومه، إذا انهمرت دموعه، بعد رعود الغضب، وبروق السخرية؟ هي الطبيعة، هي سنة السماوات. وهذا الشاعر هو كالطبيعة في صدقه، وكسنة السماوات في صفوه وغيومه، وفي بروقه، ورعوده، وتهطاله.
فإذا نحن حملنا على الشعر الباكي، الذي ألفه شبان هذا الزمان، وقل فيهم من كان محروما نعم الحياة، فإننا نحمل على عادة أمست مراسا اجتماعيا، مهلكا للنفوس وللأخلاق. أجل، إننا نحمل على التخنث والتصنع في الشعر الباكي، نحمل على دموع الزور، وعلى دموع الخوف والجبانة، وعلى الدموع السوداء، المكونة من الحبر الممزوج بماء العواطف الآسن.
أما دموع هذا الشاعر فهي مثل اسمه صافية، ومثل نفسه صادقة. وهي من نفسه ومن قلبه، لا من حبر شعره وتبره. وإنها إلى ذلك لتتلألأ بالابتسام المتعالي، والقهقهة الساخرة.
أجل، إن الصافي، على بؤسه وسقمه؛ ليحسن الضحك والتهكم. فهو يوالي القط والفأرة ليشفي نفسه من ولاء الناس. وهو يعجب من الأطباء الذين يحاولون أن يحرموه داءه، ذلك الإرث الوحيد من أبويه. وهو يكفر ويتوب، ويبرأ إلى الله من شيطان شعره فيؤده في النار. وهو يبني قصورا في الجنان، «فيهدمها دروين لعنه الله». وإن له نظرات في النفس نافذة ذابحة، فيريد مثلا أن ينزع عنه كل أثواب العقائد، ولكنه يخشى، وهو ينزع الثوب تلو الثوب، أن يكون قد كون من الأثواب، وألا يصادف روحا وراءها، وله قصيدة عنوانها العدالة، لا دمعة فيها، ولكنها تستذرف الدموع، مطلعها:
وجهي دميم وقلبي
عدو كل دميم
لذاك تبدو لعيني
المرآة مثل الخصوم
صفحه نامشخص