نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

ناشر

دار الفيحاء

ویراست

الثانية

سال انتشار

۱۴۲۵ ه.ق

محل انتشار

دمشق

مقدّمة الطبعة الثالثة
الحمد لله والصلاة والسلام على خير نبي أرسله، لقد بلغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وجاهد في الله حقّ جهاده حتى التقى بالرفيق الأعلى، وعلى الصحابة الذين اقتفوا أثره ومن تبعهم إلى يوم الدين.
وبعد:
إنّ شخصية الرسول الكريم تعد نبراسا لكل من أحبّ أن يهتدي إلى الطريق السوي، هذا الإنسان الذي وهب حياته للخير أين ما كان وأين ما حلّ، ولما كانت الأمة الإسلامية مطالبة بتتبّع أثر الرسول لأنه ترجمان القران ولقوله تعالى:
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
وكانت الصحابة تحرص حرصا شديدا على دراسة حياته لأولادها حتى قال سيدنا سعد بن أبي وقّاص: «كنا نعلّم أولادنا سيرة الرسول ومغازيه كما كنا نعلّمهم القران» لهذا تحتّم على الأمة معرفة حياته من أوّلها إلى اخرها ولا يوجد كتاب يلم بهذا الموضوع ككتاب نور اليقين للشيخ محمد الخضري. فإنه من أكثر الكتب المتداولة في السيرة النبوية في العالم الإسلامي. لقد انتهج المؤلّف منهجا جديدا في شرح سيرة الرسول الأعظم ﵊ شرحا لم تعرفه كتب السيرة من قبل.
ولكن الكتاب يحتاج إلى بعض تراجم الرجال. وضبط بعض الأسماء.
وتحقيق وتتمة بعض الروايات التاريخية. وتخريج الايات والأحاديث النبوية.
وشرح العناوين والكلمات المبهمة ولهذا قمت بهذا العمل معتمدا على الله راجيا منه التوفيق إنه على ما يشاء قدير، كل ذلك جعلته في ذيل كل صفحة ودفعا للالتباس وضعت كلمة المؤلّف في نهاية كلامه فإذا أدخلت شيئا على كلامه وضعته بين قوسين.

1 / 3

ولمّا وجدت اقبالا على هذا الكتاب، فقد قمت بطبعه مرّة ثالثة.
وتمتاز الطبعة الثالثة عن سابقتها بتحاشي جميع الأخطاء المطبعية السابقة، كما أنها أكثر شرحا للجوانب الهامّة، وأدقّ ضبطا للكلمات والأعلام.
والله وليّ التوفيق.
المحقّق

1 / 4

بسم الله الرّحمن الرّحيم
نحمدك يا من أوضحت لنا سبل الهداية، وأزحت عن بصائرنا غشاوة الغواية، ونصلّي ونسلم على من أرسلته شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. وعلى الأصحاب الذين هجروا الأوطان يبتغون من الله الفضلى والرضوان، والأنصار الذين اووا ونصروا وبذلوا لإعزاز الدين ما جمعوا وما ادخروا.
أمّا بعد: فيقول محمد الخضري بن المرحوم الشيخ عفيفي الباجوري: كنت أجد من نفسي منذ النشأة الأولى ارتياحا لقراءة تواريخ السّالفين وقصص الغابرين وأجدها لعقل الإنسان أحسن مهذّب وأنصح معلم. وكنت أرى في تاريخ نبيّنا ﵊ وما لقيه من أذى قومه حينما دعاهم إلى الحقّ وعظيم صبره حتى هجر أوطانه وبلاده أعظم مربّ لأفكار المسلمين، فإنه يدلّهم على ما يجب اتباعه وما يلزم اجتنابه ليسودوا كما ساد سابقوهم، وخصوصا ما يتعلّق بالحكّام من اجتذاب النفوس النافرة والتأليف بين القلوب المختلفة، وما يتعلّق بقواد الجيوش من تأليف الرجال وإحكام المعدّات حتى يتم لهم النصر على أعدائهم، وما يتعلّق بالعامّة من اتحاد قلوبهم وصيرورتهم يدا على من سواهم. فكنت أجد من قراءتها ارتياحا عظيما وكانت نفسي كثيرا ما تأسف على ترك المسلمين لها! فقلّما أجد من يشتغل بها ولكني كنت أقدم لهم العذر بتطويل الكتب المؤلفة في هذا الموضوع. فلمّا قدمت مدينة المنصورة جمعتني النوادي مع محمود بك سالم القاضي بمحكمة المنصورة المختلطة فوجدت منه علما بدينه تقف دونه فحول الرجال وتتأخّر عن مسابقته فيه الأبطال، فقلّما توضع مسألة دينية إلّا وجدته مبرزا فيها مفصحا عن الجواب عنها، أمّا علمه بسيرة الرسول الأكرم ﷺ فعنده منها الخبر اليقين. وكنت كثيرا ما أسمعه يتشوّف لعمل سيرة خالية من الحشو والتعقيد تنتفع بها عامّة المسلمين فقلت: يا الله! لقد وافق هذا السيد الكريم ما في نفسي

1 / 5

ولكني كنت أرى في عزيمتي قصورا عن تنفيذ رغبته وتتميم أمنيته فإن المقام عظيم وصعوباته أعظم، ولكن لم أر من الأمر بدا تلقاء ما كنت أسمعه من كبار رجال المنصورة، فإنهم أكثروا من الأماني لعمل هذا الكتاب العميم النفع، الجزيل الفائدة. فقمت معتمدا على الله راجيا منه أن يوفقني لما فيه رضاه، وواصلت السير بالسرى حتى بلغت المنى فجاء بحمد الله سهل المنال عذب المورد تنتفع به العامّة وترجع إليه الخاصة. وقد كان موردي في تأليفه القران الشريف وصحيح السّنة ممّا رواه الإمامان البخاري ومسلم، ولم أخرج عنهما إلّا فيما لا بدّ من تفهيم العبارات، فكان يساعدني «الشفاء» للقاضي عياض، و«السيرة الحلبية»، و«المواهب اللدنية» للقسطلاني، و«إحياء علوم الدين» للغزالي. هذا وأسأل الله من فيض فضله أن يوفق أئمتنا وأمراءنا للاقتداء بسيدنا ومولانا رسول الله ﷺ وإحياء معالم دينه حتى يؤيدوا بروح من عند الله. وقد ان أن نشرع فيما قصدناه مستعينين بحول الله فنقول:
النسب الشريف
السيد الأكرم الذي شرّف الناس بوجوده هو (محمد بن عبد الله «١») من زوجه امنة بنت وهب الزّهرية «٢» القرشية (ابن عبد المطلب «٣») من زوجه فاطمة بنت عمر المخزومية «٤» القرشية. وكان عبد المطلب شيخا معظّما في قريش يصدرون عن رأيه في مشكلاتهم ويقدمونه في مهماتهم. (ابن هاشم «٥») من زوجه سلمى بنت عمرو النجّارية»
الخزرجية (ابن عبد مناف «٧») من زوجه عاتكة بنت مرّة

(١) فهو أبو رسول الله ﷺ ويكنى أبا قثم وهو أصغر أولاد عبد المطلب.
(٢) من بني زهرة بن كلاب من قريش. المؤلف.
(٣) اسمه شيبة وإنما قصد في تسميته بهذا الاسم للتفاؤل يؤثر عنه أنه جاء بسنن قد جاءت في القران والسنة وهو أول من سن دية النفس مائة من الإبل فجرت في قريش، وعاش مائة وأربعين سنة.
(٤) من بني مخزوم بن يقظة بن مرّة من قريش. المؤلف.
(٥) سمي هاشما لأنه وقعت في قريش مجاعة فهشم لهم كعكا كلّه هشما ودقه دقا ثم صنع للحجاج طعاما شبه الثريد.
(٦) من بني النجار من الخزرج والخزرج إحدى القبيلتين اللتين كانتا تقيمان بالمدينة وهما الأوس والخزرج وهما أخوان وسمى رسول الله ﷺ كلاهما أنصارا. المؤلف.
(٧) مناف اسم صنم أضيف عبد إليه كما يقولون: عبد يغوث، وسمي به عبد مناة ثم نظر قصي فراه يوافق عبد مناة ابن كنانة فحوّله عبد مناف. واسم عبد مناف: المغيرة وهو منقول من الوصف، والهاء، فيه

1 / 6

السلمية «١») . (ابن قصيّ «٢») من زوجه حبّى بنت حليل الخزاعية. وكان إلى قصيّ في الجاهلية حجابة البيت «٣»، وسقاية الحاج، وإطعامه المسمّى بالرفادة، والندوة هي الشورى لا يتم أمر إلّا في بيته، واللواء: لا تعقد راية لحرب إلّا بيده، ولمّا أشرف على الموت جعلها في يد أحد أولاده عبد الدار، لكن بنو عبد مناف أجمعوا رأيهم على ألايتركوا بني عمهم عبد الدار يستأثرون بهذه المفاخر، وكاد يفضي الأمر إلى القتال لولا أن تدارك الأمر عقلاء الفريقين، فأعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة فدامتا فيهم إلى أن انتهتا للعباس بن عبد المطلب ثم لبنيه من بعده، أمّا الحجابة فبقيت بيد بني عبد الدار، وأقرّها لهم الشرع فهي فيهم إلى الان. (وهم بنو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار)، وأمّا اللواء «٤» فدام فيهم حتى أبطله الإسلام، وجعله حقا للخليفة على المسلمين يضعه فيمن يراه صالحا له وكذلك الندوة، (وقصي بن كلاب «٥») من زوجه فاطمة بنت سعد وهي يمانية من أزد شنوءة (ابن مرّة «٦») من زوجه هند بنت سرير من بني فهر بن مالك (ابن كعب «٧») من زوجه وحشية بنت شيبان من بني فهر أيضا (ابن لؤيّ «٨») من زوجه أم كعب مارية بنت كعب من قضاعة (ابن غالب «٩») من زوجه أم لؤي سلمى بنت عمرو الخزاعي (ابن فهر «١٠») من زوجه أم غالب ليلى بنت سعد من هذيل، وفهر هو قريش- في قول الأكثرين- وكانت قريش

للمبالغة أي مغير على الأعداء.
(١) من بني سليم بن منصور إحدى قبائل قيس عيلان بن مضر. المؤلف.
(٢) قصي يقال اسمه زيد وهو تصغير قصيّ ويقال اسمه مجمّع ولقب قصيا لأنه أبعد عن أهله ووطنه مع أمه بعد وفاة أبيه.
(٣) أن تكون مفاتيح البيت عنده فلا يدخله أحد إلّا باذنه.
(٤) يعني في الحرب لأنه كان لا يحمله عندهم إلّا قوم مخصوصون.
(٥) اسمه حكيم وقيل عروة ولقب بكلاب لأنه كان يكثر الصيد بالكلاب. أو من كلاب جمع كلب لأنهم يريدون الكثرة.
(٦) منقول من وصف الحنظلة والعلقمة وكثيرا ما كانوا يسمونه بحنظلة وعلقمة.
(٧) منقول إما من الكعب وهو قطعة من السمن أو من كعب القدم وهو أقرب وهو أول من جمع يوم العروبة ولم تسم العروبة الجمعة إلا منذ جاء الإسلام فكانت تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ.
(٨) لؤي تصغير اللأي وهو الثور الوحشي.
(٩) لم يذكر السهيلي في نسب الرسول (غالبا) .
(١٠) الفهر: الحجر الأملس يملأ الكف أو نحوه، وكان كريما.

1 / 7

اثنتي عشرة قبيلة: بنو عبد مناف، وبنو عبد الدار بن قصي، وبنو أسد بن عبد العزّى بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو مخزوم بن يقظة بن مرّة، وبنو تيم بن مرّة، وبنو عدي بن كعب، وبنو سهم بن هصيص بن عمرو بن كعب، وبنو عامر بن لؤي، وبنو تيم بن غالب، وبنو الحارث بن فهر، وبنو محارب بن فهر، والمقيمون منهم بمكّة يسمون «قريش البطاح»، والذين بضواحيها «قريش الظواهر» (ابن مالك) من زوجه جندلة بنت الحرث من جرهم (ابن النضر «١») من زوجه عاتكة بنت عدوان من قيس عيلان (ابن كنانة) من زوجه برّة بنت مر بن أد (ابن خزيمة) «٢» من زوجه عوانة بنت سعد من قيس عيلان (ابن مدركة «٣») من زوجه سلمى بنت أسلم من قضاعة (ابن إلياس «٤») من زوجه خندف المضروب بها المثل في الشرف والمنعة. (ابن مضر «٥») من زوجه الرباب بنت جندة بن معد (ابن نزار «٦») من زوجه سودة بنت عك. (ابن معد «٧») من زوجه معانة بنت جوشم من جرهم. (ابن عدنان «٨») .
هذا هو النسب المتّفق على صحته من علماء التاريخ والمحدّثين، أمّا النسب فوق ذلك فلا يصحّ فيه طريق، غاية الأمر أنّهم أجمعوا على أن نسب الرسول ﷺ ينتهي إلى اسماعيل بن إبراهيم «٩» أب العرب المستعربة. نسب شريف كما ترى؛ اباء طاهرون وأمّهات طاهرات، لم يزل ﵊ ينتقل من أصلاب

(١) الذهب الأحمر ولقب به لنضارته وجماله.
(٢) تصغير خزمة وهي واحدة الخزم وقال أبو حنيفة: الخزم مثل الحبال الدّوم تتخذ من سعطه.
(٣) لقّب مدركة لأنه أدرك الإبل التي كانت قد ضلّت، والياس أبوه.
(٤) الياس مختلف فيه فمنهم من يقول الياس موافق للذي هو خلاف الرجاء وهو مصدر يئس وكان مثله كمثل لقمان الحكيم في قومه. وهو أول من أهدى البدن للبيت.
(٥) مضر: مشتق من اللبن الماضر وسمي مضر لبياضه وهو الحامض- وكان جميلا حكيما وهو أول سن للعرب حداء الابل وفي الحديث لا تسبوا مضر ولا ربيع فإنهما كانا مؤمنين. رواه الديلمي في مسند الفردوس.
(٦) نزار من النزارة وهي القلة، وهو أجمل أهل زمانه وأرجحهم عقلا. وقال صاحب الأغاني سمي بذلك لأنه كان فريد عصره.
(٧) معد: من تمعد إذا اشتد. وأصله من المعد (بسكون العين) وهو القوة ولم يحارب أحدا إلا رجع بالنصر.
(٨) عدنان: مأخوذ من عدن في المكان إذا أقام فيه ومنه جنات عدن أي جنات إقامة وخلود.
(٩) أمه هاجر ولد اسماعيل بن ابراهيم اثني عشر رجلا فهي بني مرسل أرسله الله إلى أخواله بن جرهم وعمر مائة سنة وثلاثين سنة ثم مات ﵀ تأثر عليه ودفن في الحجر مع أمه هاجر.

1 / 8

أولئك إلى أرحام هؤلاء حتى اختاره الله هاديا مهديا من أوسط العرب نسبا. فهو من صميم قريش التي لها القدم الأولى في الشرف وعلو المكانة بين العرب، ولا تجد في سلسلة ابائه إلّا كراما ليس فيهم مسترذل بل كلّهم سادة قادة، وكذلك أمهات ابائه من أرفع قبائلهن شأنا، ولا شكّ أن شرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوّة، وكل اجتماع بين ابائه وأمهاته كان شرعيّا بحسب الأصول العربية، ولم ينل نسبه شيء من سفاح الجاهلية بل طهّره الله من ذلك والحمد لله.
زواج عبد الله بامنة وحملها
كان عبد الله بن عبد المطلب من أحب ولد أبيه إليه، فزوجه امنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وسنه ثماني عشرة سنة، وهي يومئذ من أفضل نساء قريش نسبا وموضعا. ولما دخل عليها حملت بالرسول ﷺ. ولم يلبث أبوه أن توفي بعد الحمل بشهرين، ودفن بالمدينة عند أخواله بني عدي بن النجار، فإنه كان قد ذهب بتجارة إلى الشام. فأدركته منيته بالمدينة وهو راجع «١»، ولمّا تمّت مدة حمل امنة وضعت ولدها، فاستبشر العالم بهذا المولود الكريم «٢» الذي بثّ في أرجائه روح الاداب وتمّم مكارم الأخلاق. وقد حقّق المرحوم محمود باشا الفلكي أن ذلك كان صبيحة يوم الاثنين تاسع ربيع الأوّل الموافق لليوم العشرين من أبريل سنة ٥٧١ من الميلاد، وهو يوافق السنة الأولى من حادثة الفيل «٣» .
وكانت ولادته في دار أبي طالب بشعب بني هاشم «٤» . وكانت قابلته الشّفاء أم عبد

(١) دفن في دار النابغة في دار الصغرى إذا دخلت الدار على يسارك في البيت وله خمس وعشرون سنة.
(٢) روى مسلم في صحيحه أن أعرابيا سأل رسول الله ﷺ عن صيام يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه، وروى أحمد في حديث تفرد به أنه ولد يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين، والجمهور على أنه كان في ربيع الأول ويقول النووي: ونقل ابراهيم بن المنذر الخزاعي شيخ البخاري وخليفة ابن خياط واخرون الإجماع عليه أي على أنه ولد عام الفيل- واتفقوا على أنه ولد يوم الاثنين من شهر ربيع الأول.
(٣) حادثة شهيرة حصلت بمكة فأرخت بها العرب كعادتهم وكل أمة في التاريخ بالأمور المهمة وقد ذكر القران هذه الحادثة في سورة الفيل وحاصلها أن ملكا من ملوك الحبشة- الذين امتلكوا اليمن بعد حمير أغار على مكة وقصد هدم كعبتها، وكان معه فيل عظيم لم يكن العرب رأوا مثله، فاكراما للنبي المنتظر وغيرة على بيته الكريم جعل الله كيد الأعداء في تضليل، وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول، وأراح قريشا من عناء مقاومتهم أهـ. المؤلف.
(٤) في المكان المعروف بسوق الليل في الدار التي صارت تدعى بدار محمد بن يوسف الثقفي أخي

1 / 9

الرحمن بن عوف، ولما ولد أرسلت أمه لجده تبشّره فأقبل مسرورا وسمّاه محمدا «١»، ولم يكن هذا الاسم شائعا قبل عند العرب، ولكن أراد الله أن يحقّق ما قدره وذكره في الكتب التي جاءت بها الأنبياء كالتوراة والإنجيل، فألهم جدّه أن يسميه بذلك إنفاذا لأمره، وكانت حاضنته أم أيمن بركة الحبشية أمة أبيه عبد الله، وأول من أرضعه ثويبة «٢» أمة عمه أبى لهب.
الرضاع «٣»
وكان من عادة العرب أن يلتمسوا المراضع لمواليدهم في البوادي ليكون أنجب للولد «٤»، وكانوا يقولون: إن المربّى في المدن يكون كليل الذهن فاتر العزيمة، فجاءت نسوة من بني سعد بن بكر يطلبن أطفالا يرضعنهم، فكان الرضيع المحمود من نصيب حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، واسم زوجها أبو كبشة «٥»، وهو الذي كانت قريش تنسب له الرسول ﷺ حينما يريدون الاستهزاء به فيقولون:
هذا ابن أبي كبشة يكلّم من السماء! ودرّت البركات على أهل ذاك البيت الذين أرضعوه مدة وجوده بينهم «٦» وكانت تربو عن أربع سنوات «٧» .

الحجاج بن يوسف وأدخل ذلك البيت في الدار حتى أخرجته الخيرزان أم الهادي والرشيد فجعلته مسجدا يصلى فيه.
(١) لا يعرف في العرب من تسمى بهذا الاسم قبله ﷺ إلّا ثلاثة طمع اباؤهم حين سمعوا بذكر محمد ﷺ وبقرب زمانه، وأنه يبعث في الحجاز أن يكون ولدا لهم، وهم محمد بن سفيان بن مجاشع، والثاني محمد بن أحيحة والأخير محمد بن حمران بن ربيعة.
(٢) توفيت سنة سبع، قال ابن منده: واختلف في إسلامها وقال أبو نعيم: لا أعلم أحدا ذكره.
(٣) مرضعاته ثمان: امنة- ثويبة- خولة- أم أيمن- سعدية- وثلاث نسوة من العواتك.
(٤) لينشأ.
(٥) اسمه الحارث بن عبد العزى فأسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه.
(٦) ذكر الواقدي أنهن كن عشرة نسوة من بني سعد بن بكر يلتمس بها الرضعاء في سنة شهباء (مجدبة) فقدمت على أتان (حمار صغير) لي قمراء (القمراء التي يميل لونها إلى الخضراء) كانت قد أذمت (أبطأت عليهم) ومعي صبي لنا، وشارف لنا والله ما تبضّ (ما ترشح) بقطرة وما كنا ننام ليلتنا أجمع مع صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه ولا في شارفنا ما يغذيه ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج.. فما هو إلّا أن أخذته فجئت به رحلي، فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي ثم نام، وشرب أخوه حتى روي، وقام صاحبي إلى شارفنا تلك إنها لحافل، فحلب منها ما شرب، وشربت حتى روينا فبتنا بخير ليلة.
(٧) السيرة الحلبية. المؤلف.

1 / 10

حادثة شق الصدر «١»
وحصل له وهو بينهم حادثة مهمة وهي شق صدره وإخراج حظّ الشيطان منه «٢»، فأحدث ذلك عند حليمة خوفا فردّته إلى أمه وحدثتها قائلة: بينما هو وإخوته في بهم «٣» لنا خلف بيوتنا إذ أتى أخوه يعدو فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه، فشقّا بطنه فهما يسوطانه «٤» . فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه منتقعا لونه «٥»، فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: مالك يا بنيّ؟ فقال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟؟ قال نعم. فأقبلا يبتدراني «٦» فأضجعاني فشقا بطني، فالتمسا فيه شيئا، فأخذاه وطرحاه «٧» ولا أدري ما هو.
وفاة امنة وكفالة عبد المطلب ووفاته وكفالة أبي طالب
ثم إن أمه أخذته منها، وتوجّهت به إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار، وبينما هي عائدة أدركتها منيتها في الطريق فماتت بالأبواء «٨» فحضنته أم

(١) هي في السنة الثالثة وشق صدره أيضا ليلة الإسراء كما رواه البخاري.
(٢) يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم والترمذي «ما من مولود يولد إلّا نخسه الشيطان، فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلّا ابن مريم وأمه، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم، (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) قال عياض: يريد أن الله قبل دعاءها مع أن الأنبياء معصومون، وقال النووي: أشار عياض إلى أن جميع الأنبياء يشاركون عيسى في هذه الخصوصية.
(٣) البهم: الصغار من الغنم، واحدتها: بهمة.
(٤) يحركانه بسوط. المؤلف.
(٥) شبيها بالنقع وهو التراب. المؤلف. أي متغيرا، يقال انتقع وجهه وامتقع (بالبناء للمجهول) إذا تغيّر.
(٦) يرعاني.
(٧) تتمة: ثم رداه كما كان فرجعنا به معنا، فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني أصيب فانطلقي بنا نردّه إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف قالت حليمة فاحتملناه فلم ترع أمه إلّا به، فقالت: ما ردّكما به يا ظئر (المرضعة) فقد كنتما عليه حريصين؟ فقالا: لا والله إلّا أن الله قد أدّى عنا وقضينا الذي علينا وقلنا نخشى الاتلاف والأحداث نرده إلى أهله. فقالت: ما ذاك بكما، فأصدقاني شأنكما فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، فقالت: أخشيتما عليه الشيطان؟! كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، والله انه لكائن لابني هذا شأن إلّا أخبركما خبره؟ قلنا: بلى قالت: حملت به فما حملت حملا قط أخف علي منه (يوهم ذلك أنهما حملت بغيره وهو غير ثابت) فأريت في النوم حين حملت به كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام، ثم وقع حين ولدته وقوعا ما يقعه المولود، معتمدا على يديه رافعا رأسه إلى السماء فدعاه عنكما. هذا الحديث قد روي من طرق اخر، وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين السير والمغازي.
(٨) قرية بين مكة والمدينة وهي أقرب إلى المدينة (المؤلف) وقد حصل ذلك وهو ابن ست سنين.

1 / 11

أيمن، وكفله جدّه عبد المطلب، ورقّ له رقة لم تعهد له في ولده، لما كان يظهر عليه مما يدل على أن له شأنا عظيما في المستقبل، وكان يكرمه غاية الإكرام، ولكن لم يلبث عبد المطلب أن توفي بعد ثماني سنوات من عمر الرسول ﷺ «١»، فكفله شقيق أبيه أبو طالب فكان له رحيما وعليه غيورا، وكان أبو طالب مقلّا من المال فبارك الله له في قليله، وكان الرسول ﷺ في مدة كفالة عمه مثال القناعة، والبعد عن السفاسف التي يشتغل بها الأطفال عادة، كما روت ذلك أم أيمن حاضنته، فكان إذا أقبل وقت الأكل جاء الأولاد يختطفون وهو قانع بما سييسره الله له «٢» .
السفر إلى الشام
ولما بلغت سنّه ﵊ اثنتي عشرة سنة، أراد عمّه وكفيله السفر بتجارة إلى الشام، فاستعظم الرسول ﷺ فراقه، فرقّ له، وأخذه معه، وهذه هي الرحلة الأولى، ولم يمكثوا فيها إلّا قليلا، وقد أشرف على رجال القافلة وهم بقرب بصرى «٣» بحيرى الراهب «٤»، فسألهم عما راه في كتبهم المقدسة من بعثة نبي من العرب في هذا الزمن، فقالوا إنه لم يظهر للان «٥»، وهذه العبارة كثيرا ما كان يلهج بها أهل الكتاب من يهود ونصارى قبل بعثة الرسول ﷺ فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «٦» .
حرب الفجار «٧»
ولما بلغت سنّه ﵊ عشرين سنة حضر حرب الفجار، وهي

(١) دفن بالحجون (جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها عند قبر جده قصي) ولما حضرته الوفاة. أوصى به إلى عمه.
(٢) كان يقول في أول الطعام الحمد لله، ولم تر منه كذبة ولا ضحك ولا جاهلية، ولا وقف مع صبيان يلعبون، تفسير الرازي ج ٦ ص ٥٦٨.
(٣) قرية على الحدود بين بلاد الشام والأردن (وهي قرية من أعمال حوران) .
(٤) اسمه سرجس كان راهبا مسيحيّا وكان ينكر لاهوت المسيح (يقول إن تسميته باله غير جائزة) وكان قسا عالما فلكيّا منجما وقد اتّخذ صومعته بقرب الطريق الموصل إلى الشام وكان يأمر بعبادة الله وينهى عن عبادة الأصنام.
(٥) ملخّص القصّة أن بحيرى الراهب صنع طعاما ودعا له كل قريش فاجتمعوا إلّا رسول الله ﷺ ثم أحضروه بعد إلحاح من بحيرى فلما رأى من أوصافه ما يوافق ذلك ما عنده أقبل على عمه أبي طالب وأوصاه أن يعود بابن أخيه حذرا عليه من اليهود فعمل أبو طالب ما نبهه إليه بحيرى.
(٦) سورة البقرة اية ٨٩.
(٧) معنى المفاجرة كالقتال والمقاتلة وذلك أن قتالا كان في الشهر الحرام ففجروا فيه وأيام الفجار أربعة

1 / 12