239

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر

ویرایشگر

مصطفى حسين عبد الهادي

ناشر

دار الكتب العلمية

ویراست

الأولى

سال انتشار

1424هـ-2004م

محل انتشار

بيروت / لبنان

سمعت بعض شيوخ الكتاب يتحدثون ، قالوا : كان أبو الحسن عللي بن عيسى ، شديد الإعظام لصناعة الكتابة ، شحيحا على محله منها ، غير مسامح لشيء يعاب به ، مهما صغر فيها . وكانت المسابقة فيما بينه وبين أبي الحسن علي بن الفرات فيها ، وكان كل واحد منهما ، يتقلد ديوانا ، في وزارة العباس بن الحسن . وكان يتصرف في الديوان الذي يتقلده علي بن عيسى ، عامل يعنى به ابن الفرات ، فقصده علي بن عيسى ، وعمل له مؤامرة بمائة ألف دينار في عمله ، وعزم على أخذها منحه ، وأحضره ، وسلم إليه المؤامرة . وقال له : إن كان عندك جواب لها ، فأجب ، وإلا فالتزم المال . فقال : آخذها من بيتي ، وأجيب . فقال له : خذها . وأخذها العامل ، وجاء إلى ابن الفرات ، فشرح له الصورة ، وسأله أن ينظر في المؤامرة ويلقنه الجواب على كل باب منها . فقرأها ابن الفرات ، وقال للعامل : لولا الاتفاق ، لما انحل عنك منها درهم ، ولكن الله سهل لك غلطا غلط به علي بن عيسى على نفسه فيها ، وهو رجل شديد الضن بصناعة الكتابة ، غير مسامح لنفسه في العيب بها ، وقد غلط غلطا قبيحا ، لو غلط مثله صغير من الكتاب لافتضح ، وبطلت صناعته ، وسقط محله ، وذاك إنه قد صدر في أول المؤامرة بابا ، ذكر فيه ما وصل من فضل الكيل في غلات عملك ، وأنك لم تورده ، وألزمك مالا جليلا عنه ، ثم ذكر بعد ذلك ، أنك اقتطعت من غلات المقاسمة ، أشياء أوردها ، وذكر الحجج فيها ، وألزمك مالا جسيما ، هو شطر مال المؤامرة . وقد كان من قانون الحساب ، ورسم الصناعة في مثل هذا ، أن يبتدئ بما ثنى به من الاقتطاع الواقع في أصول الغلات ، ثم يثني بذكر فضل الكيل . فإما إذا صدر فضل الكيل ، فقد صحح لك الأصول ، فإيراده ما اقتطعه من الأصول ، ناقض للفعل الأول ، وهو خطأ قبيح في الكتبة ، مسقط لمحل من يعمله . وسبيلك أن تمضي إليه وتخلوا به ، وتقول : يا سيدي محلك في هذه الصناعة ، لا يقتضي ما قد عملته في هذه المؤامرة ، وقد أخطأت خطأ قبيحا ، وهو كذا وكذا ، وواقفه عليه . وقل له : لا يخلو أمري معك من حالين : إما كشفت أمرك للناس ، ففضحتك في الصناعة بما تنكبني به من مال ، وألزمت بعد ذلك ما يبقى في المؤامرة ، وهو يسير . وإما تفضلت بإبطال هذه المؤامرة ، وأبطلت عني مالها ، وسترت على نفسك خطأك ، وارتفقت مني ، مع هذا ، بما شئت ، وابذل له مرفقا جليلا ، فإن حذره على صناعته ، وحبه للمرفق ، سيحمله على إبطال المؤامرة ، وتخريقها . فإن امتنع من ذلك ، واقفته على الخطأ بين الملأ ، فإنه يوجب عليه أن يسقط عنك ما خرجه في أصول غلات الناحية ، وهو شطر المال . قال الرجل : فمضيت إلى علي بن عيسى سحرا ، إلى منزله ، فحين رآني ، قال : ما عملت في جواب المؤامرة ؟ قلت : بيننا شيء أقوله سرا . قال : أدن . فدنوت منه ، فقلت له ما قاله لي ابن الفرات بعينه ، وفتحت المؤامرة ، ووقفته على الموضع . فحين رآه اغتم ، وقال : يا هذا ، قد وفر الله عليك المرفق ، فإن مرفقي في هذا الأمر التيقظ على الخطأ الواقع مني ، وستره على نفسي ، والحذر من مثله مستأنفا ، وقد أسقط الله عنك جميع المؤامرة ، ولن تسمع بعدها لفظة في معناها ، والله بيني وبين ابن الفرات ، فإن هذا من تعليمه لك ، وليس أنت ممن يعرف مثله . قال : فمضيت من عنده ، وقد زالت المطالبة ، وربحت المرفق ، وعدت إلى ابن الفرات ، فحدثته ، فضحك .

صفحه ۲۵۹