نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكر
ویرایشگر
مصطفى حسين عبد الهادي
ناشر
دار الكتب العلمية
ویراست
الأولى
سال انتشار
1424هـ-2004م
محل انتشار
بيروت / لبنان
حدثني أبو الحسين محمد بن عبد الله بن محمد القاضي ، المعروف بابن نصرويه ، قال : كنت أيام أبي أمية الغلابي ، وتقلده القضاء بالبصرة ، حدثا ، وكنت أجيئه مع خالي ، وكان الحر عندنا بالبصرة إذ ذاك ، شديدا مفرطا ، أكثر من شدته الآن . وكان أبو أمية يخرج في كل عشية من داره في مربعة الأحنف ، وعليه مئزر ، وعلى ظهره رداء خفيف ، وفي رجليه نعلان كنباتي ثخان ، ، وبيده مروحة ، وهو قاضي البصرة ، والأبلة ، وكور دجلة ، وكور الأهواز ، وواسط ، وأعمال ذلك ، فيمشي حوله من يتفق أن يكون في الوقت من غير تعمل ، حتى ينتهي إلى موضع حلقة أبي يحيى زكريا الساجي ، فيجلس إليه ، وربما سبقه ، وجاء أبو يحيى ، وجلسا يتحدثان ، ويجتمع إليهما أترابهما ، وإخوانهما القدماء ، فيستعملون من التخالع والانبساط في الحديث ، والمزح ، وما ليس بقليل . ويجيء سعيد الصفار ، وكان يخلف أبا أمية على البصرة ، بقلنسوة عظيمة ، وقميص ، وخف ، وطيلسان ، فيسلم عليه بالقضاء ، ويشاوره في الأمور ، فيقول له : قم عني ، لا يجتمع علي الناس ، لا تقطعني عن لذتي بمحادثة إخواني القدماء ، قم إلى مجلسك . فيقوم سعيد ، فيجلس بالبعد منه في الجامع ، في موضع برسمه ، ينظر بين الناس . وما كان ذاك يغض من قدره عند الناس ، وكانت سيرته أحسن سيرة ، واستعمل من العفة عن الأموال ، ما لم يعهد مثله . وكان ديوان وقوف البصرة إذ ذاك ببغداد ، فإذا أراد أحد أربابها شيئا ، خرجوا إلى بغداد حتى يوردوا الأمر فيه من الحضرة ، فلحق الناس مشقة ، فنقل أبو أمية ديوانها إلى البصرة ، فكثر الدعاء له ، وصارت سنة ، وبقي الديوان بالبصرة . وكان - مع هذا - يتيه على ابن كنداج ، وهو أمير البصرة ، ولا يركب إليه مرة ، إلا إذا جاء ابن كنداج مرة ، ويعترض على ابن كنداج . في الأمور ، ويسمع الظلامات فيه ، وينفذ إليه في إنصاف المتظلم ، فيضج ابن كنداج من يده ، ويكتب إلى ابن الفرات في أمره ، فترد عليه الأجوبة بالصواعق ، ويأمره بالسمع والطاعة ، فيضطر إلى مداراته ، والركوب إليه ، وتلافيه . فقبض على ابن الفرات ، وأبو أمية لا يعلم ، وورد كتاب على الطائر - بذلك - إلى ابن كنداج ، فركب بنفسه في عسكره إلى أبي أمية ، فقدر أنه قد جاء مسلما ، فخرج إليه ، فقبض عليه ، ومشاه بين يديه ، طول الطريق ، إلى داره ببني نمير ، حتى أدخله السجن ، من تحت الخشبة فأقام فيه مدة ، ثم مات . ولم يسمع بقاض أدخل السجن من تحت الخشبة غيره ، ولا بقاض مات في السجن سواه . ثم ولي ابن الفرات الوزارة أيضا ، فحين جلس ، سأل عن أصحابه ، وصنائعه ، وسأل عن أبي أمية ، فعرف ما جرى عليه ، ووفاته ، فاغتم لذلك . وقال : فاتني بنفسه ، فهل له ولد أقضي فيه حقه ؟ فقالوا : ابن رجل . فكتب بحملة إليه مكرما ، فحمل . فلما دخل عليه ، وجد سلامه سلام متخلف ، فقال له : ما اسمك ؟ قال أبو غشان ، وكانت لثغته كذا ، ولم يفرق لتخلفه بين الاسم والكنية . فقال ابن الفرات : عزيز علي أن لا أقضي حق أبي أمية ، في نفسه ، ولا في ولده ، وكيف أقلد هذا القضاء ؟ فوصله بمال جزيل ، وأمر بإجراء أرزاق عظيمة عليه ، وصرفه إلى بلده ، وكان يأخذها إلى أن زال أمر ابن الفرات .
صفحه ۱۵۷