نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب
نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب
ویرایشگر
إبراهيم الإبياري
ناشر
دار الكتاب اللبنانين
ویراست
الثانية
سال انتشار
١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م
محل انتشار
بيروت
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي جعل للعرب جمالًا تتهافت عليه سائر الأمم، وخصم من كثرة القبائل بما طلع لهم به في كل افق نجم، ورفع لهم بكل قطر علم وأنالهم من الشرف الباذخ ما لا تمتد إلى مثله يد ولا تتخطى إلى نظيره قدم، أحمده على أن جدد معالم العلم الدارسة باظهار مختفيها، وأراج أسواقها الكاسدة بزيادة الرغبة ولله تعالى الحمد فيها، وأعز جانبها بأجل عزيز ما شام برق فضيلته شائم الا انتجع غيثها ليستسقيها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تقدع المخادع، وتقمع المداهن، وتورد قائلها اصفى الموارد، فيدعى المحسن في اخلاصها أبا المحاسن، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده وسوله أفضل شيء طابت أرومته، وأفصحت عن كرم المحتد جرثومته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين شرفت بالاعتزاء الى عنصره الشريف انسابهم، وكرمت بالقرب إليه في الانتساب احسابهم، صلاة تكشف بسح وابلها اللأوا، وتجمع بشريف نسبتها بين شرف النسب وكرم التقوى، وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد: فلما كان العلم بقبائل العرب وأنسابهم على جلالة قدره، وعلو مكانه ورفعة ذكره، قد درس بترك مدارسه معالمه، وانقرض بانقراض علمائه، من العصر الأول ملزومه ولازمه، مع مسيس الحاجة إليه في كثر من
1 / 1
المهمات، ودعء الضرورة إلى معرفته في الجليل من الوقائع والملمات، وكان المعز الاشرف العالي المولوي الأمير الكبيري النصيري الزعيمي النظامي المدبري المشيري الأصيلي الكفيلي العزيزي أبي المحاسن يوسف العثماني الأموي القرشي عزيز المملكة المصرية وسفيرها، ومدير الممالك الاسلامية ومشيرها، بلغه الله تعالى من منتهى أربه غاية الأمل، ورفع قدره فوق السماكين وقد فعل، قد ألقى إليه من الممالك الاسلامية مقاليدها، ودانت له الاقطار المتقاعسة قريبها وبعيدها، وانقادت له شم الانوف الأبية فأتوه طائعين، وتليت عليهم زبر سطوته القاهرة فظلت أعناقهم لها خاضعين، وغلت بكفه الاكف العادية، واستؤصلت بسيفه القاضب شأفة أهل الفساد فهل ترى لهم من باقية، وحمى الديار فلا يغلق بابه إلا ضعيف اليقين، وأمنت بانتشار صيته المسالك فقيل سيروا فيها ليالي وأيامًا آمنين.
وعودر الليث مرتاعًا لسطوته ... وحاذر الذئب قرب الشاة من رهب
وصرفت بتصريفه أمور الدولة فجرت على السداد، ونفذت بتنفيذه أمورها فأربت مقاصدها بحمد الله على المراد.
وإن أمور الملك أضحى مدارها ... عليه كما دارت على قطبها الرحى
وأتى من تدبيره الملك بما اطلع نجومه الأوافل، وفرغ من فروض المملكة فأتى بالنوافل، فأخذ في عمارة ما درس من المعزية القاهرة وباد، وتجديد ما وهي من جوانبها بمر الزمان أو كاد. حتى فاقت ببهجته الاسكندرية التي بناها الاسكندر، وقالت: ليت هذا الجمال وافاني حين قلدني عقد الترصيف جوهر، وأبدل قصر الفاطميين من اللبن الخاشع جلامد الصخور، وأعاضه من رث الصنعة ما يروق رونقه العيون، ويشفى ببهجته الصدور، وأعقبه من التشيع اكتساب السنة، وكسبه رفض الرفض فكان
1 / 2
له بذلك المنة:
فحي هلا بالملزمات وبالعلى ... وحي هلا بالفضل والسؤدد المحض
هذا وقد اقتفى سنن الملوك الماضية، في الاعتناء بمآثر المعروف الباقية والاحتفال من صالح الاعمال بما لا ينقطع ثوابه من علم ينتفع به، أو صدقة جارية، فابتنى المدرسة الغراء التي عز في الوجود نظيرها، وراق منظرها وأبهج نضيرها، فصافحت كف الثريا بكف منارها، وسامت النسر الطائر في الارتفاع برفيع مطارها، وحطت بالتخوم أساسها فرست، وتوالت مياه السقي على قلوب حجارتها المتراكبة فقسمت، واشتملت من ابداع الصنعة على ما يزرى بشداد بن عاد، وفازت من أحاسن المحاسن بما لو رآه ارم لقال ليتني لم أشرع في بناء ذات العماد.
أحكام صنعتها شداد يغبطه ... ومن تشيدها الاهرام في خجل
وحازت من نفيس الرخام ما يهزأ بالجواهر، فأتت فيه من بديع الرونق بما لو عاينه السابق لقال كم ترك الأول للآخر:
فلا اللئالئ من حسنٍ تقاربه ... ولا اليواقيت في وصفٍ تدانيه
وأودعت من نفائس الكتب ما يتنافس فيه المتنافسون، وانفردت من نوادر المصنفات بما لم يشاركها فيه غيرها من المدارس فيقال فيه شركاء متشاكسون، مع مساعمته أعز الله انصاره في الانساي بكريم نسبه، واشتماله من محبة العلم وأهله، على ما يقضي بمتين دينه ووثاقة سببه، أحببت أن أخدم خزانتها العالية عمرها الله تعالى ببقاء منشيها وأدام عزها بدوام أيام بانيها، بتأليف كناب معرفة العرب والعلم بأنسابها، يجدد الدروس رسومها، ويطلع بافق الزمان بعد الأفول نجومها، ليكون باختصاصه بوضعه كالغرة في وجه كتبه، وتدخر بخزانته السعيدة لتصير كلمة باقية في عقبه، فشرعت في ذلك بعد أن استخرت الله تعالى ولا خيبة لمستخير، واستشرت فيه أهل المشورة ولا ندم للمستشير، واصلًا كل قبيل من القبائل بقبيلة، وملحقًا كل فرع من الفروع الحادثة بأصوله، مرتبًا له على حروف المعجم ليكون أسها للاستخراج قبائله وأقرب إليه في الاقتطاف من تناوله.
1 / 3
ثم إن هذا الكتاب وإن كان قد جمع فأوعى، وطمع في الاستكثار فلم يكن بالقليل قنواعًا، فأنه لم يأتي على قبائل العرب بأسرها ولم يتكفل على كثرة الجمع بحصرها، فان ذلك يتعذر الاتيان عليه، ويعز على المتطلب الوصول إليه، غير أنه قد حصل من جميع القبائل ما يتعسر إليه من غير طريقة الوصول، وحافظ على تمهيد أصولها أتم المحافظة والمطلوب حفظ الأصول، وسميته " نهاية الأرب في معرفة أسناب العرب " والله يقرنه بالتوفيق، ويرشد فيه إلى أوضح طريق، وقد رتبته على مقدمة ومقصد وخاتمة.
المقدمة في ذكر أمور يحتاج إليها في علم الانساب ومعرفة القبائل وفيها خمسة فصول.
الفصل الأول: في علم الأنساب وفائدته ومسيس الحاجة إليه.
الفصل الثاني: في بيان من يقع عليه اسم العرب وذكر أنواعهم وما ينخرط في سلك ذلك.
الفصل الثالث: في معرفة طبقات الانساب وما يلتحق بذلك.
الفصل الرابع: في ذكر مساكن العرب القديمة التي منها درجوا إلى سائر الاقطار.
الفصل الخامس: في ذكر أمور يحتاج إليها الناظر في علم الانساب.
المقصد: في معرفة تفاصيل أنساب قبائل العرب وفيه فصلان.
الفصل الأول: في ذكر عمود النسب النبوي وما يتفرع منه من الانساب.
الفصل الثاني: في ذكر تفاصيل القبائل مرتبة مقفاة على حروف المعجم وما يتهيأ ذكره في مساكنهم الآن.
1 / 4
الخاتمة: في ذكر أمور تتعلق باحوال العرب وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: في ذكر معرفة ديانات العرب قبل الاسلام.
الفصل الثاني: في ذكر أمور من المفاخرات الواقعة بين القبائل وما ينجر إلى ذلك.
الفصل الثالث: في ذكر الحروب الواقعة بين العرب في الجاهلية ومبادئ الاسلام.
الفصل الرابع: في ذكر نيران العرب في الجاهلية.
الفصل الخامس: في ذكر أسواق العر بالمعروفة فيما قبل الاسلام.
1 / 5
الباب الأول
مقدمة في ذكر أمور يحتاج إليها في علم الأنساب ومعرفة القبائل وهي خمسة فصول
الفصل الأول
في فضل علم الانساب
وفائدته ومسيس الحاجة إليه لا خفاء أن المعرفة بعلم الأنساب من الأمور المطلوبة، والمعارف المندوبة، لما يترتب عليها من الأحكام الشرعية، والمعالم الدينية، فقد وردت الشريعة المطهرة باعتبارها في مواضع.
منها: العلم بنسب النبي ﷺ وأنه النبي القرشي الهاشمي الذي كان بمكة وهاجر منها إلىالمدينة، فانه لا بد لصحة الايمان من معرفة ذلك ولا يعذر مسلم في الجهل به وناهيك بذلك.
ومنها: التعارف بين الناس حتى لا يعتزي أحد إلى غير آبائه، ولا ينتسب إلى سوى أجداده، وإلى ذلك الاشارة بقوله تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وانثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا ": وعلى ذلك تترتب أحكام الورثة فيحجب بعضهم بعضًا، وأحكام الأولياء في النكاح فيقدم بعضهم على بعض، واحكام الوقف إذا خص الواقف بعض الأقارب أوبعض الطبقات دون بعض، وأحكام العاقلة في الدية حتى تضرب الدية على بعض العصبة
1 / 6
دون بعض وما يجري مجرى ذلك، فلولا معرفة الانساب لفات ادراك هذه الامور وتعذر الوصول اليها.
ومنها اعتبار النسب في الامامة التي هي الزعامة العظمى، وقد حكى الماوردي في الاحكام السلطانية الاجماع على كون الامام قرشيا ثم قال: ولا اعتبار بضرار حيث شد فجوزها في جميع الناس فقد ثبت أن النبي ﷺ قال الأئمة من قريش ولذلك لما اجتمع الانصار يوم وفاة رسول الله ﷺ في سقيفة بني ساعدة وأرادوا مبايعة سعد بن عبادة الانصاري احتج عليهم الصديق رضي الله تعالى عنه بهذا الحديث فرجعوا إليه وبايعوه، وقد روى أنه ﷺ قال: قدموا قريشا ولا تتقدموها. قال أصحابنا الشافعية: فان لم يوجد قرشي اعتبر كون الإمام كنانيًا من ولد كنانيا من ولد كنانة بن خزيمة، فان تعذر اعتبر كونه من بني اسماعيل ﵇ فإن تعذر اعتبر كونه من اسحاق، فان تعذر اعتبر كونه من جرهم لشرفهم بصهارة اسماعيل، بل قد نصوا أن الهاشمي أولى بالإمامة من غيره من قريش. فلولا المعرفة بعلم النسب لفاتت معرفة هذه القبائل وتعذر حكم الإمامة العظمى التي بها عموم صلاح الأمة، وحماية البيضة، وكف الفتنة، وغير ذلك من المصالح.
ومنها اعتبار النسب في كفاءة الزوج للزوجة في النكاح عند الشافعي ﵁ حتى لا يكافئ الهاشمية والمطلبية غيرها من قريش، ولا يكافئ القرشية غيرها من العرب ممن ليس بقرشي، وفي الكنانية وجهان أصحهما أنه لا يكافئها غيرها ممن ليس بكناني ولا قرشي، وفي اعتبار النسب في العجم أيضًا وجهان أصحهما الاعتبار، فاذا لم يعرف النسب تعذرت معرفة هذه الاحكام،
1 / 7
ومنها مراعاة النسب الشريف في المرأة المنكوحة فقد اثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: تنكح المرأة لأربع لدينها وحسبها ومالها وجمالها، فراعى ﷺ في المرأة الحسب وهو الشرف في الآباء.
ومنها: التفريق بين جريان الرق على العجم دون العرب على مذهب يرى ذلك من العلماء، وهو أحد القولين للشافعي ﵁ فاذا لم يعرف النسب تعذر عليه ذلك إلى غير ذلك من الأحكام الجارية هذا المجرى وقد ذهب كثر من الأئمة المحدثين والفقهاء كالبخاري وابن اسحاق والطبري إلى جواز الرفع في الأنساب احتجاجًا بعمل السلف فقد كان أبو بكر الصديق ﵁ في علم النسب بالمقام الأرفع والجانب الأعلى، وذلك أول دليل وأعظم شاهد على شرف هذا العلم وجلالة قدره، وقد حكى صاحب الريحان والريعان عن أبي سليمان الخطابي ﵀ أنه قال: كان أبو بكر ﵁ نسابة فخرج مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فوقف على قوم من ربيعة فقال: ممن القوم.
قالوا: من ربيعة. قال: وأي ربيعة أنتم أمن هامتها أم من لهازمها؟ قالوا: بل من هامتها العظمى. قال أبو بكر: ومن أيها. قالوا: من ذهل الأكبر. قال أبو بكر: فمنكم عوف الذي يقال له لا حر بوادي عوف. قالوا لا قال: أفمنكم بسطام بن قيس ذو اللواء أبو القرى ومنتهى الاحياء. قالوا لا قال: أفمنكم الحوفزان " الحارث بن ئريك " قاتل الملوك وسالبها نعمها وانفسها، قالوا لا. قال: أفمنكم المزدلف " ابن أبي ربيعة ابن ذهل بن شيبان " الحر صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال: فلستم بذهل الاكبر بل ذهل الاصغر.
فقام إليه غلام من شيبان يقال له دغفل وقد بقل وجهه فقال:
1 / 8
إن على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا تعرفه أو تحمله
يا هذا إنك قد سألت فأخبرناك ولم نكتمك شيئًا من خبرنا فممن الرجل؟ قال أبو بكر: أنا من قريش. قال بخ بخ أهل الشرف والرئاسة. فمن أي القرشيين أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرة. قال الفتى: امكنت والله الرامي من صفاء الثغرة. أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر وكان يدعى مجمعًا؟ قال: لا. قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه، قال: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء الذي كأن وجهه قمر يضيء في الليلة الظلماء؟ قال لا. قال أفمن المفيضين بالناس أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجاجة أنت! قال: لا. واجتذب أبو بكر ﵁ زمام ناقته فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال الفتى:
صادف درأ السيل درأ يدفعه ... يهيضه حينًا وحينًا يصدعه
أما والله يا أخا قريس لو ثبت لاخبرتك أنك من زمعات قريش ولست من الذؤائب أو ما أنا بدغفل. قال: فاخبر رسول الله ﷺ فتبسم. فقال علي ﵁ يا أبا بكر لقد وقعت من الغلام الاعرابي على باقعة. قال أجل يا أبا الحسن: ما من طامة إلا وفوقها طامة وإن البلاء مؤكل بالمنطق.
ودغفل هذا هو دغفل بن حنظلة النسابة الذي يضرب به المثل في النسب وقد كان له معرفة بالنجوم وغيرها أيضًا من علوم العرب قدم مرة على معاوية إبن أبي سفيان في خلافته فاختبره فوجد رجلًا عالمًا فقال: بم نلت هذا يا دغفل. قال: بقلب عقول، ولسان سؤول، وآفة العلم النسيان. فقال اذهب إلى يزيد فعلمه النسب والنجوم. وقد ذكر أبو عبيدة أن ممن يقاربه في العلم بالانساب من العرب زيد
1 / 9
ابن الكيس النمري من بني عوف بن سعد بن تغلب إبن وائل وفيه دغفل المقدم ذكره يقول مسكين بن عامر الشاعر.
فحكم دغفلا وارحل إليه ... ولا تدع المطي من الكلال
أو ابن الكيس النمري زيدًا ... ولو أمسى بمنخرق الشمال
وممن كان مقدما في النسب من العرب النجار بن أوس بن الحارث بن سعيد ابن هذيم العذري من قضاعة. فقد قال أبو عبيدة: أنه أنسب العرب. وقد صنف في علم الأنساب جماعة من جملة العلماء وأعيانهم كأبي عبيدة والبيهقي وابن عبد البر وابن هرم وغيرهم وهو دليل شرفه ورفعة قدره.
1 / 10