نداء الحقيقة: مع ثلاثة نصوص عن الحقيقة لهيدجر
نداء الحقيقة: مع ثلاثة نصوص عن الحقيقة لهيدجر
ژانرها
48
والاتجاه، وينبغي أن ننفي عن «إلغاء الأبعاد» كل تصور سكوني لنفهمه فهما نشيطا فعالا، فالموجود الإنساني يقرب الموجود منه لكي يلتقي به، وإلغاء الأبعاد هو الذي يمكننا من اكتشاف البعد والمسافة، لا العكس؛ لأنه فعل يحققه الموجود-الإنساني، بل هو في الحقيقة تحديد وجودي له، في حين أن البعد (أي المسافة الفاصلة بين الأشياء) تحديد مقولاتي، والموجود-الإنساني عندما يلغي الأبعاد إنما يحاول أن يجعل احتياجاته في متناول يده، وغني عن الذكر أن إلغاء الأبعاد من أهم الملامح التي تميز عصرنا وحضارتنا (وسائل المواصلات التي تزداد سرعة، نقل الأنباء، أجهزة الإذاعة والبث ... إلخ)، وسوف يتعمق هيدجر في هذه المسألة في كتاباته المتأخرة، وبالأخص في محاضرته عن التقنية. •••
بدأ هيدجر تحليله للوجود-في-العالم بالبحث في ماهية الأداة لكي يثبت أن الموجود-الإنساني مستغرق دائما في عالمه، ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد، كان عليه أن يلقي نظرة أشمل على مختلف الأبنية التي يتركب منها الموجود الإنساني؛ ليبين لنا ما يصفه بالإنية
49
والوجود المشترك،
50
وكلاهما كامن في أصالة الوجود-في-العالم الذي تحدثنا عنه من قبل، وإذا كنا قد خرجنا من التحليل السابق بأننا لم نعط «أنا» مجردة يكون علينا بعد ذلك أن نوجد لها عالمها كما يكون عليها أن «تعلو» إلى هذا العالم، فإننا سنرى الآن أنه ليست هناك أنا منعزلة يتحتم علينا بعد ذلك أن نحطم أسوار عزلتها ونعبرها إلى الآخرين، لقد كان «الآخر» متضمنا في التحليل الذي قدمناه عن «العالم المحيط» و«كلية الأداة»، فالشيء الذي يتم إنتاجه إنما ينتج للآخرين (الحذاء لمن يلبسه، والثوب لمن يرتديه، والمطرقة لمن يستخدمها، والكتاب لمن يقرؤه، والحقل لمن يحرثه ويزرعه ... إلخ).
والأداة وجدت بطبيعتها لكي يستعملها الآخرون، كما ساهم الآخرون أيضا في إيجادها، إنهم كذلك معنا-هناك، ليسوا أغرابا عنا، بل نحن نحيا معهم في وجود مشترك، ولا نميز أنفسنا عنهم، إن عالم الموجود-الإنساني عالم مشترك، هو عالم «المعية» أو الوجود-مع، و«الوجود-في» هو في صميمه وجود-مع-الآخرين، ووجود الآخرين في ذاته داخل العالم هو كذلك وجود-مع-الموجود الإنساني.
ولكن عبارة «الوجود-الإنساني هو وجود-مع» تحتاج إلى شيء من الإيضاح، فليس معناها أن هناك من الناحية الفعلية والواقعية أناسا آخرين يمكنني أن أبرهن على وجودهم في البيئة المحيطة بي، بل معناه أنني على الدوام منفتح على الآخرين، وأنني بصورة مسبقة مع الآخرين، وحتى لو عزلت نفسي عنهم واعتصمت بوحدتي، فلن يسعني أن أفعل هذا إلا لأن وجودي بطبيعته وجود مشترك أو وجود-مع، والإنسان الذي يتجنب الاختلاط بغيره من الناس إنما يثبت بهذا الفعل نفسه أن الغير حاضر بوصفه ذلك الذي يتجنبه!
وصفنا التعامل مع الأداة بأنه انشغال أو اهتمام،
صفحه نامشخص