مقدمة لجامع الكتاب
القسم الأول: في نوادر الملوك والخلفاء
النوادر الأولى
النوادر الثانية
النوادر الثالثة
النوادر الرابعة
النوادر الخامسة
النوادر السادسة
النوادر السابعة
النوادر الثامنة
صفحه نامشخص
النوادر التاسعة
النوادر العاشرة
النوادر الحادية عشرة
النوادر الثانية عشرة
القسم الثاني: في نوادر الفلاسفة والحكماء
الفلاسفة والحكماء
القسم الثالث: في نوادر العظماء
النوادر الأولى
النوادر الثانية
النوادر الثالثة
صفحه نامشخص
النوادر الرابعة
القسم الرابع: في نوادر الأذكياء
الأذكياء
القسم الخامس: في نوادر الزاهدين
الزاهدون
مقدمة لجامع الكتاب
القسم الأول: في نوادر الملوك والخلفاء
النوادر الأولى
النوادر الثانية
النوادر الثالثة
صفحه نامشخص
النوادر الرابعة
النوادر الخامسة
النوادر السادسة
النوادر السابعة
النوادر الثامنة
النوادر التاسعة
النوادر العاشرة
النوادر الحادية عشرة
النوادر الثانية عشرة
القسم الثاني: في نوادر الفلاسفة والحكماء
صفحه نامشخص
الفلاسفة والحكماء
القسم الثالث: في نوادر العظماء
النوادر الأولى
النوادر الثانية
النوادر الثالثة
النوادر الرابعة
القسم الرابع: في نوادر الأذكياء
الأذكياء
القسم الخامس: في نوادر الزاهدين
الزاهدون
صفحه نامشخص
نوادر الأدباء
نوادر الأدباء
تأليف
إبراهيم زيدان
مقدمة لجامع الكتاب
لما رأيت الإقبال عظيما على كتابي «نوادر الكرام في الجاهلية والإسلام» و«نوادر العشاق» المطبوعين حديثا آثرت أن ألحقهما بثالث يكون منهما مكان الروح من الجسد، فنشرت هذا الكتاب «نوادر الأدباء» وجمعت فيه ما راق وطاب من نوادر الملوك، والخلفاء، والفلاسفة، والعظماء، والوزراء، والخطباء، والزاهدين، والأذكياء، وغيرهم، راجيا أن يصادف قبولا من القراء وارتياحا في نفوس الأدباء، لا زالوا ملجأ للعلم والأدب في هذا العصر الزاهر.
أقسام الكتاب
القسم الأول:
في نوادر الملوك والخلفاء.
القسم الثاني:
صفحه نامشخص
في نوادر الفلاسفة.
القسم الثالث:
في نوادر العظماء «من الوزراء والخطباء وغيرهم».
القسم الرابع:
في نوادر الأذكياء.
القسم الخامس:
في نوادر الزاهدين.
القسم الأول
في نوادر الملوك والخلفاء
النوادر الأولى
صفحه نامشخص
في نوادر الملك كسرى
الرشيد وعنبر المغني
قال إسحاق الموصلي: حضرت مسامرة الرشيد ليلة عنبر المغني، وكان فصيحا متأدبا، وكان مع ذلك يملي الشعر بصوت حسن؛ فتذاكروا رقة شعر المدنيين؛ فأنشد بعض جلسائه أبياتا لأحد الشعراء؛ حيث يقول:
واذكر أيام الحمى ثم انثني
على كبد من خشية أن تصدعا
وليس عشيات الحمى برواجع
عليك ولكن خل عينيك تدمعا
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها
على الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
فأعجب الرشيد برقة الأبيات، فقال له عنبر: يا أمير المؤمنين، إن هذا الشعر مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق، حتى رق وصفا، فصار أصفى من الهواء، ولكن إن شاء أمير المؤمنين أنشدته ما هو أرق من هذا وأحلى وأصلب وأقوى لرجل من أهل البادية. قال: فإني أشاء. قال: وأترنم به يا أمير المؤمنين؟ قال: ذلك لك. فغنى لجرير:
صفحه نامشخص
إن الذين غدوا بلبك غادروا
وشلا بعينك لا يزال معينا
غيضن من عبراتهن وقلن لي
ماذا لقيت من الهوى ولقينا
راحوا العشية أوجه منكورة
إن حرن حرنا أو هدين هدينا
فرموا بهن سواهما عرض الفلا
إن متن متنا وإن حيين حيينا
قال: صدقت يا عنبر، وخلع عليه، وأجازه.
أفضل الملوك
صفحه نامشخص
قيل لكسرى: أي الملوك أفضل؟ قال: الذي إذا جاورته وجدته عليما، وإذا خبرته وجدته حكيما، وإذا غضب كان حليما، وإذا ظفر كان كريما، وإذا استمنح منح جسيما، وإذا وعد وفى وإن كان الوعد عظيما، وإذا اشتكي إليه وجد رحيما.
أنوشروان والفتاة
خرج كسرى أنوشروان إلى الصيد يوما واعتزل عسكره، فعطش، فرأى ضيعة قريبة منه، فقصدها حتى وقف على باب دار قوم، وطلب منهم الماء ليشرب، فخرجت له فتاة، فلما رأته عادت إلى البيت مسرعة، فدقت قصبة سكر، ومزجتها بماء، وخرجت به في قدح إليه، فنظر القدح، فرأى فيه شرابا وقذى، فشرب منه شيئا فشيئا حتى انتهى إلى آخره، ثم قال: نعم الماء لولا ما فيه من القذى! فقالت له الفتاة: أنا ألقيت القذى عمدا. فقال لها: ولم فعلت ذلك؟
فقالت: لما رأيتك شديد العطش خشيت أن تشربه مرة واحدة، فيضر بك شربه. فعجب كسرى من ذكائها وفطنتها، وقال: كم عصرت فيه من قصبة؟ فقالت: عصرت فيه قصبة واحدة. فعجب من ذلك، فلما مضى طلب اسم المكان، وكان قد نسيه، فرأى خراجه قليلا، فحدث نفسه أن يزيد في خراجه، وبعد حين مر بذلك المكان منفردا، ووقف على ذلك الباب، وطلب الماء ليشرب، فخرجت له الصبية عينها، ورأته فعرفته، وعادت مسرعة لتمزج له الماء فأبطأت عليه، فلما خرجت إليه قال لها: قد أبطأت! فقالت له: لم تمزج حاجتك من قصبة واحدة، بل من ثلاث قصبات. فقال: وما سبب ذلك؟! فقالت: من تغير نية الحاكم؛ فقد سمعنا أنه إذا تغيرت نية السلطان على قوم زالت بركاتهم، وقلت خيراتهم. فضحك أنوشروان، وأزال ما كان في نفسه من زيادة الخراج، ثم تزوج بتلك الفتاة؛ لعجبه من فصاحتها.
كسرى وبزرجمهر الوزير
قال أنوشروان لبزرجمهر: أي الأشياء خير للمرء؟ قال: عقل يعيش به. قال: فإن لم يكن؟ قال: فإخوان يسترون عيبه. قال: فإن لم يكن؟ قال: فمال يتحبب به إلى الناس. قال: فإن لم يكن؟ قال: فعي صامت. قال: فإن لم يكن؟ قال: فموت جارف.
كسرى أنوشروان والغلام
أراد كسرى كاتبا لأمر أعجله، فلم يوجد غير غلام صغير يصحب الكتاب، فدعاه فقال: ما اسمك؟ قال: مهرماه. قال: اكتب ما أملي عليك. فكتب قائما أحسن من غيره قاعدا، ثم قال له: اكتب في هذا الكتاب من تلقاء نفسك، ففعل، وضم إلى الكتاب رقعة فيها: «إن الحرمة التي أوصلتني إلى سيدنا لو وكلت فيها إلى نفسي لقصرت أن أبلغ إليها، فإن رأى أن لا يحطني إلى ما هو دونها فعل»، فقال كسرى: أحب مهرماه أن لا يدع في نفسه لهفة يتلهف عليها بعد إمكان الفرصة، وقد أمرنا له بما سأل.
نباهة كسرى
فر كسرى من ملاقاة بهرام جور، فاتبعه الجيش، وكان قد أعد معه فصوصا من زجاج مختلفة الألوان والأصباغ ودنانير من صفرة مغشاة بالذهب، فلما خاف أن يدركه الطلب نثر تلك الدنانير والفصوص على الأرض؛ فاشتغل الناس بجمعها فنجا بنفسه.
صفحه نامشخص
الحارث بن كلدة وكسرى أنوشروان
وفد الحارث بن كلدة - طبيب العرب - على كسرى أنوشروان، فأمر له بالدخول، فانتصب بين يديه، فقال له كسرى: من أنت؟ قال: أنا الحارث بن كلدة. قال: أأعرابي؟ قال: نعم من صحيحها. قال: فما صناعتك ؟ قال: طبيب. قال: وما تصنع العرب بالطبيب مع جهلها وضعف عقولها وقلة قبولها وسوء عزائمها؟! فقال: ذلك أجدر - أيها الملك - إذا كانت بهذه الصفة أن تحتاج إلى ما يصلح جهلها، ويقيم عوجها، ويسوس أبدانها، ويعدل إسنادها. قال الملك: كيف لها بأن تعرف ما تعهده عليها لو عرفت الحق لم تثبت إلى الجهل؟ قال الحارث: أيها الملك، إن الله - جل اسمه - قسم العقول بين العباد كما قسم الأرزاق، وأخذ القوم نصيبهم، ففيهم ما في الناس من جاهل وعالم وعاجز وحازم. قال الملك: فما الذي تجد في أخلاقهم وتحفظ من أمزاجهم؟ قال الحارث: أنفس سخية، وقلوب جرية، وعقول صحيحة مرضية، وأحساب نقية؛ فيمرق الكلام من أفواههم مروق السهم من الوتر، أسرع من سفن الماء، وأعذب من الهواء، ويطعمون الطعام، ويضربون الهام، وعزهم لا يرام، وضيفهم لا يضام، ولا يروع إذا نام، لا يقرن بفضلهم أحد من الأقوام، ما خلا الملك الهمام؛ الذي لا يقاس به أحد من الأنام. فاستوى كسرى جالسا، ثم التفت إلى من حوله، فقال: أطوى قومه، فلولا أن تداركه عقله لزم قومه، غير أني أراه ذا عمى! ثم أذن له بالجلوس، فقال: كيف نظرك بالطب؟ قال: ناهيك. قال: فما أصل الطب؟ قال: ضبط الشفتين، والرفق باليدين. قال: أصبت الدواء، فما الداء؟ قال: إدخال الطعام على الطعام هو الذي أفنى البرية، وقتل السباع في البرية. قال: أصبت، فما الجمرة التي تلتهب منها الأدواء؟ قال: هي التخمة؛ إن بقيت في الجوف قتلت، وإن تحللت أسقمت. قال: فما تقول في إخراج الدم؟ قال: في نقصان الهلال، في يوم صحو لا غيم فيه، والنفس طيبة، والسرور حاضر. قال: فما تقول في الحمام؟ قال: لا تدخل الحمام شبعان، ولا تغش أهلك سكران، ولا تنم بالليل عريان، وارفق بجسمك يكن أرجحه لنسلك. قال: فما تقول في شرب الدواء؟ قال: اجتنب الدواء ما لزمتك الصحة، فإذا أحسست بحركة الداء فاحسمه بما يردعه؛ فإن البدن بمنزلة الأرض؛ إن أصلحتها عمرت، وإن أفسدتها خربت. قال: فما تقول في الشراب؟ قال: أطيبه أهناه، وأرقه أمراه، ولا تشرب صرفا يورثك صداعا ويثير عليك من الداء أنواعا، قال: فأي اللحمان أحمد؟ قال: الضأن؛ أسمنه وأبذله.
النوادر الثانية
نوادر الملك النعمان
النعمان وحاتم طيء وأوس بن جارحة
كان بين حاتم طيء وبين أوس بن جارحة ألطف ما كان بين اثنين، فقال النعمان لجلسائه: لأفسدن ما بينهما! فدخل على أوس، فقال: إن حاتما يزعم أنه أفضل منك! فقال: أبيت اللعن صدق! ولو كنت أنا وأهلي وولدي لحاتم لوهبنا في يوم واحد! وخرج فدخل على حاتم فقال له مثل ذلك، فقال: صدق، وأين أقع من أوس وله عشرة ذكور دونهم أفضل مني؟! فقال النعمان: ما رأيت أفضل منكما.
النعمان والمحكوم عليه بالقتل
قيل: إن النعمان جعل له يومين؛ يوم بؤس من صادفه فيه قتله، ويوم نعيم من لقيه أحسن إليه، وكان رجل يدعى الطائي، قد رماه حادث دهره بسهام فاقته وفقره، وأبلاه القدر من قرب عسره، وبعد يسره بما أنساه جميل صبره، وأعاره شكوى ضره، فأحوجته الحاجة إلى مزايلة قراره، وأخرجته الفاقة من محل استقراره، فخرج يرتاد نجعة لعياله؛ إذ أوقفه القدر في منزل النعمان في يوم بؤس، فلما بصر به الطائي علم أنه مقتول، وأن دمه مطلول، فقال: حيا الله الملك، إن لي صبية صغارا، وأهلا جياعا، وقد أرقت ماء وجهي في طلب هذه البلغة الحقيرة لهم، وأعلم أن سوء الحظ أقدمني على الملك في هذا اليوم العبوس، وقد قربت من مقر الصبية والأهل، وهم على شفا تلف من الطوى، ولن يتفاوت الحال في قتلي بين أول النهار وآخره، فإن رأى الملك أن يأذن لي في أن أوصل إليهم هذا القوت، وأوصي بهم أهل المروءة من الحي؛ لئلا يهلكوا جميعا، وعلي عهد الله أني إذا أوصيت بهم أرجع إلى الملك مساء، وأسلم نفسي بين يديه لنفاذ أمره. فلما علم النعمان صورة مقاله، وفهم حقيقة حاله، ورأى تلهفه من ضياع أطفاله رق له، وقال: لا آذن لك إلا أن يضمنك رجل معنا، فإن لم ترجع قتلناه، وكان في مجلسه شريك بن عدي بن شرحبيل - نديم النعمان - فالتفت الطائي إلى شريك وقال له:
يا شريك بن عدي
ما من الموت انهزامي
صفحه نامشخص
بل لأطفال ضعاف
عدموا طعم الطعام
بين جوع وانتظار
واحتقار وسقام
يا أخا كل كريم
أنت في قوم كرام
يا أخا النعمان جد لي
بضمان والتزام
ولك الله بأني
راجع قبل الظلام
صفحه نامشخص
فقال شريك بن عدي: أصلح الله الملك، علي ضمانه. فمر الطائي مسرعا والنعمان يقول لشريك: إن صدر النهار قد ولى ولم يرجع! وشريك يقول: ليس للملك علي سبيل حتى يأتي المساء. فلما قرب المساء قال النعمان لشريك: جاء وقتك فتأهب للقتل! فقال شريك: هذا شخص قد لاح مقبلا وأرجو أن يكون الطائي، فإن لم يكن فأمر الملك ممتثل، فبينما هم كذلك وإذا الطائي قد أقبل يشتد في عدوه مسرعا، فقدم، وقال: خشيت أن ينقضي النهار قبل وصولي فعدوت. ثم وقف قائما، وقال: أيها الملك، مر بأمرك. فأطرق النعمان ثم رفع رأسه، وقال: والله ما رأيت أعجب منكما! أما أنت يا طائي؛ فما تركت لأحد في الوفاء مقاما يقوم فيه ولا ذكرا يفخر به، وأما أنت يا شريك؛ فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء، فلا أكون أنا ألأم الثلاثة، ألا وإني قد رفعت يوم بؤسي عن الناس، ونقضت يوم عادتي كرامة؛ لوفاء الطائي وكرم شريك. فقال الطائي:
ولقد دعتني للخلاف عشيرتي
فعددت قولهم من الإضلال
إني امرؤ حبي الوفاء خليقة
وفعال كل مهذب مفضال
فقال النعمان: ما حملك على الوفاء وفيه تلف نفسك؟! قال: ديني؛ فمن لا دين له لا وفاء له. فأحسن إليه النعمان ووصله، وأعاده إلى أهله.
عدي بن زيد والنعمان
خرج النعمان بن المنذر متصيدا ومعه عدي بن زيد، فمرا بشجرة، فقال عدي بن زيد: أيها الملك، أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا! قال: إنها تقول:
من رآنا فليحدث نفسه
أنه موف على قرب السؤال
صفحه نامشخص
وصروف الدهر لا يبقى لها
ولما تأتي به صم الجبال
رب ركب قد أناخوا حولنا
يشربون الخمر بالماء الزلال
عصف الدهر بهم فانقرضوا
وكذاك الدهر حالا بعد حال
ثم جاوزا الشجرة فمروا بمقبرة، فقال له عدي: أيها الملك، أتدري ما تقول هذه المقبرة؟ قال: لا! قال: إنها تقول:
أيها الركب المخبونا
على الأرض المجدونا
كما أنتم كذا كنا
صفحه نامشخص
كما نحن تكونونا
فقال النعمان: قد علمت أن الشجرة والمقبرة لا يتكلمان، وأنك إنما أردت أن تعظني، فجزاك الله عني خيرا، فما السبيل الذي تدرك به النجاة؟ قال: تدع عبادة الأوثان وتعبد الله وحده. قال: أفي هذا النجاة؟ قال: نعم. فترك عبادة الأوثان، وعبد الواحد القهار.
النوادر الثالثة
متفرقات من نوادر الملوك
الإسكندر وساكن المقابر
مر الإسكندر بمدينة قد ملكها غيره من الملوك، فقال: انظروا، هل بقي بها أحد من نسل ملوكها؟ فقالوا: رجل يسكن المقابر. فأحضره، وسأله عن إقامته، فقال: أردت أن أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدتها سواء. فقال: هل تتبعني فأحيي شرفك إن كان لك همة؟ فقال: همتي عظيمة إن أنلتنيها. فقال: ما هي؟ قال: حياة لا موت معها، وشباب لا هرم بعده، وغنى لا فقر معه، وسرور لا مكروه فيه! فقال: ليس عندي هذا. فقال: دعني ألتمسه ممن هو عنده. فقال: ما رأيت مثله حكيما.
موت الإسكندر
حكم للإسكندر أنه لا يموت إلا بأرض سماؤه ذهب وأرضه حديد، فلما سقط من دابته حمل على درع وظلل بترس من ذهب؛ فلما أفاق ورأى ذلك فطن لما حكم له، وقال: قاتل الله المنجمين؛ يقولون ولا يفسرون! فكتب إلى والدته: أن اصنعي طعاما، وادعي له من لم تصبه مصيبة، فامتثلت، فبقي الطعام ولم يأتها أحد، ففطنت أنه أرسل يعزيها، وقال:
وما أنا بالمخصوص من بين من أرى
ولكن أتتني نوبتي في النوائب
صفحه نامشخص
تأبين الإسكندر
لما مات الإسكندر وضعوه في تابوت من ذهب، وحملوه إلى الإسكندرية، وندبه جماعة من الحكماء يوم موته، فقال بطليموس: هذا يوم عظيم العبرة، أقبل من شره ما كان مدبرا، وأدبر من خيره ما كان مقبلا. وقال ميلاطوس: خرجنا إلى الدنيا جاهلين، وأقمنا فيها غافلين، وفارقناها كارهين. وقال أفلاطون الثاني: أيها الساعي المغتصب، جمعت ما خذلك، وتوليت ما تولى عنك، فلزمتك أوزاره، وعادت إلى غيرك ثماره. وقال مسطور: قد كنا بالأمس نقدر على الاستماع ولا نقدر على الكلام، واليوم نقدر على الكلام ولا نقدر على الاستماع. وقال ثاون: انظروا إلى حلم النائم، كيف انقضى؟ وإلى ظل الغمام، كيف انجلى؟ وقال آخر: ما سافر الإسكندر سفرا بلا أعوان ولا عدة غير سفره هذا. وقال غيره: لم يؤدبنا بكلامه كما أدبنا بسكوته. وقال آخر: قد كان بالأمس طلعته علينا حياة، واليوم النظر إليه سقم.
أزدشير الملك والخطيب
لما استوثق الأمر لأزدشير بن يزدجرد جمع الناس فخطبهم خطبة، حثهم فيها على الألفة والطاعة، وحذرهم المعصية ومفارقة الجماعة، وصفق الناس أربعة، فخروا له سجدا، وتكلم متكلمهم، فقال: لا زلت - أيها الملك - محبوبا من الله، رفيقا للنصر، حاصلا على دوام العافية وتمام النعمة وحسن المزية، ولا زلت تتابع لديك المكرمات، وتشفع إليك الذمامات، حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها، ولا تنقطع زهرتها في دار القرار التي أعدها الله لنظرائك من أهل الزلفى والحظوة لديه، ولا زال ملكك وسلطانك باقيين، والشمس والقمر زائدين في زيادة البحور والأنهار حتى تستوي أقطار الأرض معها في علوك عليها ونفاذ أمرك فيها، فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمنا عموم ضياء الصبح، ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتصل بأنفسنا اتصال النسيم، فأصبحت وقد جمع الله بك الأيادي بعد اختلافها، وألف بك القلوب بعد تباغضها، وأذهب عنا ألسن الحساد بعد توقد نيرانها بفضلك الذي لا يدرك بوصف، ولا يحد بنعت. فقال أزدشير: طوبى للممدوح إذا كان للمدح مستحقا، وللداعي إذا كان للإجابة أهلا.
بهرام جور والراعي
حكي أن الملك بهرام جور خرج يوما للصيد، فظهر له حمار وحش فاتبعه حتى خفي عن عسكره، فظفر به فمسكه، ونزل عن فرسه يريد أن يذبحه، فرأى راعيا أقبل من البرية، فقال له: يا راع، أمسك فرسي هذا حتى أذبح هذا الحمار ، فمسكه، ثم تشاغل بذبح الحمار، فلاحت منه التفاتة فرأى الراعي يقطع جوهرة في عذار فرسه، فأعرض الملك عنه حتى أخذها، وقال: إن النظر إلى العيب من العيب. ثم ركب فرسه ولحق بعسكره، فقال له الوزير: أيها الملك السعيد، أين جوهرة عذار فرسك؟ فتبسم الملك ثم قال: أخذها من لا يردها، وأبصره من لا ينم عليه، فمن رآها منكم مع أحد فلا يعارضه بشيء بسبب ذلك.
الملك المتعظ
بنى أحد الملوك قصرا، وقال: انظروا من عاب فيه شيئا فأصلحوه وأعطوه درهمين، فأتاه رجل، فقال: إن في هذا القصر عيبين. قال: وما هما؟ قال: يموت الملك ويخرب القصر. قال: صدقت. ثم أقبل على نفسه، وترك الدنيا.
الملك وعبده
بعث الملك إلى عبد له: ما لك لا تخدمني وأنت عبدي؟ فأجابه: لو اعتبرت لعلمت أنك عبد عبدي؛ لأنك تتبع الهوى فأنت عبده، وأنا أملكه فهو عبدي.
صفحه نامشخص
الملك والوزير
أشار وزير على ملكه بجمع الأموال واقتناء الكنوز، وقال: إن الرجال وإن تفرقوا عنك اليوم فمتى احتجتهم عرضت عليهم الأموال فتهافتوا عليك، فقال له الملك: هل لهذا من شاهد؟ قال: نعم، هل بحضرتنا الساعة ذباب! قال: لا. فأمر بإحضار جفنة فيها عسل، فحضرت، فتساقط عليها الذباب لوقتها، فاستشار السلطان بعض أصحابه في ذلك فنهاه، وقال: لا تغير قلوب الرجال، فليس في كل وقت أردتهم حضروا، فسأل: هل لذلك من دليل؟ قال: نعم، إذا أمسينا أخبرك، فلما أظلم الليل قال للملك: هات الجفنة، فحضرت ولم تحضر ذبابة واحدة.
ملك الجزيرة والرجل
انكسرت سفينة برجل في البحر فوقع إلى جزيرة، فعمل شكلا هندسيا على الأرض، فرآه بعض أهل الجزيرة، فذهبوا به إلى الملك، فأحسن إليه، وأكرم مثواه، وكتب الملك إلى سائر ممالكه: أيها الناس، اقتنوا ما إذا كسرتم في البحر صار معكم.
الملك الكريم
غضب الملك على بعض حاشيته؛ فأسقط الوزير اسمه من ديوان العطايا، فقال الملك: أبقه على ما كان عليه؛ لأن غضبي لا يسقط همتي.
النوادر الرابعة
نوادر الخليفة هارون الرشيد
الرشيد والمجنون
مر الرشيد بدير في ظاهر الرقة، فلما أقبلت مواكبه أشرف أهل الدير ينظرون إليه، وفيهم مجنون مسلسل، فلما رأى هارون رمى بنفسه بين يديه، وقال: يا أمير المؤمنين، قد قلت فيك أربعة أبيات، أفأنشدك إياها؟ قال: نعم، فأنشد:
صفحه نامشخص
لحظات طرفك في العدى
تغنيك عن سل السيوف
وغريم رأيك في النهى
يكفيك عاقبة الصروف
وسيول كفك بالندى
بحر يفيض على الضعيف
وضياء وجهك في الدجى
أبهى من البدر المنيف
ثم قال: يا أمير المؤمنين، هات أربعة آلاف درهم أشتري بها كبيسا وتمرا. فقال هارون: تدفع له. فحملت إلى أهله.
الرشيد والأعرابي
صفحه نامشخص
ركب الرشيد في بعض أسفاره ناقة فطلع عليه أعرابي، فناشده:
أغيثا تحمل الناق
ة أم تحمل هارونا؟
أم الشمس أم البدر
أم الدنيا أم الدينا؟
ألا كل الذي قلت
ه قد أصبح مأمونا
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
عبد الله العمري والرشيد
قال رجل لعبيد الله العمري: هذا هارون الرشيد في الطواف قد أخلي له المسعى. فقال له: لا جزاك الله عني خيرا، كلفتني أمرا كنت عنه غنيا. ثم جاء إليه، فقال له: يا هارون. فلما نظر إليه قال: يا عم. قال: كم ترى ها هنا من خلق الله؟ فقال: لا يحصيهم إلا الله عز وجل. فقال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت واحد تسأل عنهم كلهم، فانظر كيف تكون؟ فبكى هارون وجلس، وجعلوا يعطونه منديلا، منديلا للدموع، ثم قال له: وفيم؟ قال: إن الرجل ليسرع في مال نفسه، فيستحق الحجر عليه، فكيف فيمن أسرع في مال أمة عظيمة؟!
صفحه نامشخص
الرشيد ومالك وسفيان بن عيينة
وجه الرشيد إلى مالك بن أنس ليأتيه فيحدثه، فقال مالك: إن العلم يؤتى. فصار الرشيد إلى منزله، فاستند معه إلى الجدار، فقال: يا أمير المؤمنين، من إجلال الله تعالى إجلال العلم، فقام وجلس بين يديه، وبعث إلى سفيان بن عيينه، فأتاه، وقعد بين يديه وحدثه، فقال الرشيد بعد ذلك: يا مالك تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وتواضع لنا علم سفيان فلم ننتفع به .
الرشيد والعباس والفضل بن عياض
قصد الرشيد زيارة الفضل بن عياض ليلا مع العباس، فلما وصلا بابه سمعاه يقرأ:
أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (الجاثية: 21)، فقال الرشيد للعباس: إن اتفقنا بشيء فهذا، فناداه العباس: أجب أمير المؤمنين. فقال: وما يعمل عندي أمير المؤمنين؟! ثم فتح الباب وأطفأ السراج، فجعل هارون يطوف حتى وقعت يده عليه، فقال: آه من يد ما ألينها إن نجت من عذاب يوم القيامة! ثم قال: استعد للجواب يوم القيامة، إنك تحتاج أن تتقدم مع كل نفس بشرية. فاشتد بكاء الرشيد، فقال العباس: اسكت يا فضل، فإنك قتلت أمير المؤمنين! فقال: يا هامان، إنما قتلته أنت وأصحابك! فقال الرشيد: ما سماك هامان إلا وقد جعلني فرعون! ثم قال له الرشيد: هذه ألف دينار أرجو أن تقبلها مني. فقال: لا حاجة لي بها رد ها على من أخذتها منه. فقام الرشيد وخرج.
الدهري وأبو حنيفة عند الرشيد
حكي أن دهريا جاء إلى هارون الرشيد وقال: يا أمير المؤمنين، قد اتفق علماء عصرك - مثل أبي حنيفة - على أن للعالم صانعا، فمن كان فاضلا من هؤلاء فمره أن يحضر ها هنا، حتى أبحث معه بين يديك، وأثبت له أنه ليس للعالم صانع، فأرسل هارون الرشيد إلى أبي حنيفة؛ لأنه كان أفضل العلماء، وقال: يا إمام المسلمين، اعلم أنه قد جاء إلينا دهري وهو يد عي نفي الصانع، ويدعوك إلى المناظرة. فقال أبو حنيفة: أذهب بعد الظهر. فجاء رسول الخليفة، وأخبر بما قاله أبو حنيفة، فأرسل إليه ثانية، فقام أبو حنيفة وأتى إلى هارون الرشيد، فاستقبله هارون، وجاء به، وأجلسه في الصدر، وقد اجتمع الأركان والأعيان، فقال الدهري: يا أبا حنيفة لم أبطأت في مجيئك؟ فقال أبو حنيفة: قد حصل لي أمر عجيب فلذلك أبطأت؛ وذلك أن بيتي وراء دجلة، فخرجت من منزلي وجئت إلى جنب دجلة حتى أعبرها، فرأيت بجنب دجلة سفينة عتيقة معطلة قد افترق ألواحها، فلما وقع بصري عليها اضطربت الألواح وتحركت واجتمعت وتوصل بعضها ببعض وصارت السفينة صحيحة بلا نجار ولا عمل عامل، فقعدت عليها وعبرت وجئت إلى ها هنا! فقال الدهري: اسمعوا أيها الأعيان ما يقول إمامكم وأفضل زمانكم! فهل سمعتم كلاما أكذب من هذا؟! كيف تحصل السفينة المكسورة بلا عمل نجار؟! فهو كذب محض قد ظهر من أفضل علمائكم! فقال أبو حنيفة: أيها الكافر المطلق، إذا لم تحصل السفينة بلا صانع ونجار فكيف يجوز أن يحصل هذا العالم من غير صانع؟! أم كيف تقول بعدم الصانع؟! فعند ذلك أمر الرشيد بضرب عنق الدهري، فقتلوه.
الرشيد والجارية والتنوخي
قال التنوخي: كان عند الرشيد جارية من جواريه وبحضرته عقد جوهر، فأخذ يقلبه، ففقده، فاتهمها به، فسألها عن ذلك، فأنكرت، فحلف بالطلاق والعتاق والحج، فصدقته، فأقامت على الإنكار، وهو متهم لها، وخاف أن تكون خرجت في يمينه، فاستدعى أبا يوسف، وقص عليه القصة، فقال أبو يوسف: خلني مع الجارية وخادم معنا حتى أخرجك من يمينك، ففعل ذلك، فقال لها أبو يوسف: إذا سألك أمير المؤمنين عن العقد فأنكريه، فإذا أعاد عليك السؤال فقولي: قد أخذته. فإذا أعاد عليك، فأنكري. وخرج، فقال للخادم: لا تقل لأمير المؤمنين ما جرى. وقال للرشيد: سلها يا أمير المؤمنين ثلاث دفعات متواليات عن العقد؛ فإنها تصدقك، فدخل الرشيد فسألها فأنكرت أول مرة، وسألها ثانية فقالت: نعم قد أخذته. فقال: أي شيء تقولين؟ فقالت: والله ما أخذته، ولكن هكذا قال لي أبو يوسف. فخرج إليه فقال: ما هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، قد خرجت من يمينك؛ لأنها أخبرتك أنها قد أخذته، وأخبرتك أنها لم تأخذه، فلا يخلو أن تكون صادقة في أحد القولين، وقد خرجت أنت من يمينك. فسر ووصل أبا يوسف، فلما كان بعد مدة وجد العقد.
عبد الملك بن صالح والرشيد
صفحه نامشخص