volitional
للتوجيهات الأخلاقية لا يؤدي إلى النتيجة القائلة إن المتحدث ينبغي عليه أن يترك لكل شخص الحق في اتباع قراراته الخاصة، أي أنه لا يؤدي إلى الفوضوية. فإذا ما وضعت أهدافا إرادية معينة، وطالبت جميع الأشخاص باتباعها، فليس في استطاعتك أن ترد على حجتي إلا بوضع أمر آخر، كالأمر الفوضوي الآتي مثلا: «لكل شخص الحق في أن يفعل ما يشاء.» ومع ذلك فليس في وسعك أن تثبت أن مذهبي في الأخلاق الإرادية متناقض مع نفسه، وأن المنطق يرغمني على أن أترك لكل شخص الحق في أن يفعل ما يشاء. فالمنطق لا يرغمني على أي شيء كما أن التوجيهات التي أضعها نتائج لفهمي الخاص للأخلاق، فضلا عن أن المنطق لا ينبئني أي الأوامر ينبغي أن أعدها ملزمة لجميع الأشخاص. فأنا أضع أوامري بوصفها رغبات إرادية لي، كما أن التمييز بين التوجيهات الشخصية والتوجيهات الأخلاقية هو بدوره مسألة رغبة إرادية. ولعلك تذكر أن النوع الأخير من التوجيهات هو تلك التي أعدها ضرورية للجماعة، والتي أطالب كل شخص بإطاعتها.
ولا شك أنك أصبحت الآن في حالة يأس تام. ولا بد أنك سترد قائلا: «قد يكون ما تقوله صحيحا، من وجهة النظر المنطقية، ولكن هل تظن حقا - يا من ألفت كتابا في الفلسفة العلمية - أنك أنت الشخص الذي يعطي توجيهات أخلاقية للعالم بأسره؟ وما الذي يدفعنا إلى اقتفاء أثرك؟»
وردي على ذلك هو أنني آسف أيها الصديق، لأنني لم أقصد أن يفهم كلامي على هذا النحو، فقد كنت أبحث عن طريق الحقيقة، ولكن هذا السبب نفسه هو الذي يجعلني أمتنع عن إعطائك توجيهات أخلاقية. لا يمكن بحكم طبيعتها ذاتها أن تكون صائبة. فصحيح أن لدي توجيهاتي الأخلاقية، ولكنني لن أدونها هنا. فلست أرغب في مناقشة المسائل الأخلاقية، وإنما أود مناقشة طبيعة الأخلاق. بل إن لدي بعض التوجيهات الأخلاقية الأساسية التي أعتقد أنها لا تختلف كثيرا عن توجيهاتك. فكلانا نتاج لنفس المجتمع، وعلى ذلك فقد تشبعنا بالروح الديمقراطية منذ يوم مولدنا. قد نختلف في أمور كثيرة، كمسألة ما إذا كان من الواجب تخفيف قوانين الطلاق، أو ما إذا كان من الواجب إقامة حكومة عالمية للإشراف على استخدام الأسلحة الذرية. ولكننا نستطيع مناقشة أمثال هذه المشكلات إذا اتفقنا على مبدأ ديمقراطي أقول به في مقابل مبدئك الفوضوي، وأعني بهذا المبدأ الديمقراطي: «إن لكل شخص الحق في وضع أوامره الأخلاقية الخاصة، وفي أن يطالب الآخرين باتباع هذه الأوامر.»
هذا المبدأ الديمقراطي يشكل الصيغة الدقيقة للنداء الذي أتوجه به إلى كل شخص بأن يثق في رغباته الإرادية الخاصة، وهو النداء الذي رأيته أنت متناقضا مع رأيي القائل بأن لكل شخص أن يضع أوامر للأشخاص الآخرين. فلأبين الآن كيف أن هذا المبدأ ليس متناقضا مع نفسه. فلنفرض مثلا أنني وضعت الأمر القائل إنه إذا كانت هناك أكثر من حجرة لكل شخص في بيت ما، فمن الواجب فتح الحجرات الزائدة للأشخاص الذين لا يملكون حجرات خاصة بهم. أما أنت فتضع الأمر القائل إنه لا ينبغي إرغام أي شخص على أن يفتح باب بيته للآخرين. فلديك حجرة زائدة في بيتك، وأنا أطالب بفتحها لشخص يعاني من أزمة المساكن، ولو كانت لدى القدرة على تنفيذ طلبي من خلال سلطة الحكومة، وذلك بأن أجعل من هذه القاعدة قانونا عن طريق استفتاء مثلا، فإنني سأذهب إلى حد أن أنفذ ذلك فعلا. ومع ذلك فإن ما يحول بين مبدئي وبين أن يصبح تناقضا هو الفرق بين الحق في السلوك والحق في المطالبة بسلوك معين. فأنا أطالب بأن تسلك على نحو معين، ولكني لا أطالبك بالتخلي عن مطلبك العكسي. وهذه ديمقراطية صحيحة، وهي في الواقع تتمشى مع الطريقة الفعلية التي تواجه بها مشكلة اختلاف الإرادات في المجتمع الديمقراطي.
إنني لا أستمد مبدئي من العقل الخالص، ولا أعرضه على أنه نتيجة الفلسفة. وكل ما أفعله هو أنني أصوغ مبدأ هو أساس الحياة السياسية بأسرها في البلدان الديمقراطية، وأنا أعلم أنني أبدو، بالتزامي هذا المبدأ، نتاجا لعصري. ولكنني قد وجدت أن هذا المبدأ يتيح لي فرصة نشر رغباتي، وتحقيقها إلى حد بعيد، ومن ثم فإني أتخذ منه أمرا أخلاقيا لي. وأنا أزعم أنه ينطبق على جميع أشكال المجتمع. فلو وضعت أنا، الذي أعد نفسي نتاجا لمجتمع ديمقراطي، في مجتمع مخالف، فقد أكون على استعداد لتعديل مبدئي. ولكن لنختبر هذا المبدأ الذي يبدو أصلح المبادئ للمجتمع الذي أعيش فيه.
ليس هذا المبدأ مذهبا أخلاقيا، يجيب عن جميع الأسئلة المتعلقة بما ينبغي عمله، وإنما هو مجرد دعوة للقيام بدور إيجابي في الصراع بين الآراء. فالاختلاف بين الإرادات لا يمكن تسويته بالالتجاء إلى مذهب أخلاقي يضعه بعض أهل العلم. بل إن الوسيلة الوحيدة للتغلب على هذه الاختلافات هي تصادم الآراء، عن طريق الاحتكاك بين الفرد وبيئته، وعن طريق الجدل والخضوع لمنطق الموقف. والحق أن التقويمات الأخلاقية إنما تتكون خلال ممارستنا لنشاطنا، فنحن نسلك، ونفكر فيما فعلناه، ونتحدث مع الآخرين عنه، ونسلك ثانية على نحو نعتقد أنه أفضل. وما أفعالنا إلا محاولات للاهتداء إلى ما نريد، ونحن نتعلم من خلال الخطأ، وكثيرا ما يحدث أن نظل لا نعلم أننا نرغب في القيام بالقعل إلا بعد أن نكون قد قمنا به فعلا. فالغايات الإرادية لا تأتينا عادة بنفس الوضوح الذي ندرك به موضوعا للإبصار، بل إنها في أكثر الأحيان تكون خلفية لا شعورية أو نصف شعورية لاتجاهاتنا وميولنا، أما تلك تبدو منها واضحة ساطعة، كالنجوم التي تهدينا في طريقنا، فكثيرا ما تفقد كل ما فيها من جاذبية بمجرد أن نحققها.
وعلى ذلك، فإن على من يريد دراسة الأخلاق ألا يطرق باب الفيلسوف، وإنما ينبغي عليه أن يذهب حيثما يدور صراع حول المشكلات الأخلاقية العملية. فعليه أن يعيش وسط جماعة تتدفق حيوية بفضل التنافس بين الإرادات. سواء أكانت هذه جماعة سياسية، أم اتحادا عماليا، أم منظمة مهنية، أم ناديا رياضيا، أم جماعة يؤلف بينها الاشتراك في الدرس في قاعة محاضرات واحدة. هناك سيشعر بمعنى وضع المرء لإرادته في مقابل إرادات الآخرين. وبمعنى تكيف المرء مع إرادة الجماعة. ذلك لأن الأخلاق إذا كانت ممارسة للرغبات الإرادية، فهي أيضا تكيف لهذه الرغبات من خلال بيئة جماعية. ولا شك أن من يدعو إلى الفردية يكشف عن قصر نظره حين يغفل ذلك الرضاء الذي تشعر به الإرادة نتيجة للانتماء إلى جماعة، أما كوننا ننظر إلى تكيف الإرادات خلال الجماعة على أنه عملية نافعة أو ضارة، فذلك أمر يتوقف على تأييدنا أو معارضتنا للجماعة، ولكن ينبغي أن نعترف بأن تأثير الجماعة هذا موجود بالفعل.
فكيف إذن يتسنى تعديل الإرادات وتحقيق الانسجام بينها في الجماعة؟ وما هي العملية التي تؤدي إلى تكيف الإرادات؟
ليس من شك في أن هذه العملية هي، إلى حد بعيد، تعلم لعلاقات معرفية. ولقد قلت من قبل إن علاقات اللزوم بين الأوامر تقبل البرهنة المنطقية. والواقع أن الدور الذي تقوم به علاقات اللزوم هذه أعظم بكثير مما يقال به عادة. فكثيرا ما نخطئ، في العلاقات بين أهدافنا، فإذا كانت بعض الأهداف الأساسية متماثلة، تحول عدد كبير من المشكلات الأخلاقية إلى مشكلات منطقية. مثال ذلك أن مسألة كون الملكية الخاصة مقدسة لا تعود مسألة أخلاقية، بمجرد أن نعترف بهدف ضرورة ضمان حد أدنى من ظروف الحياة الضرورية لجميع المواطنين. وعندئذ يكون التفضيل بين نظام حرية الأعمال، ونظام ملكية الدولة لوسائل الإنتاج، من حيث قدرة كل منهما على تحقيق هذا الهدف، يكون ذلك التفضيل أمرا يختص به التحليل الاجتماعي. وإنما ترجع الصعوبات التي نصادفها عندئذ إلى الحالة القاصرة التي يتصف بها علم دراسة المجتمع؛ إذ إن هذا العلم لا يستطيع أن يقدم إجابات لا لبس فيها ولا غموض، مشابهة للإجابات التي تقدمها الفيزياء. فمعظم المشكلات السياسية يمكن أن ترد، عند أنصار الديمقراطية، إلى مجادلات معرفية. لذلك فإن الأمل معقود على أن تسوى هذه المشكلات بالمناقشة العامة والتجارب السلمية، بدلا من أن تسوى بالالتجاء إلى الحرب.
صفحه نامشخص