قلت له: إن الشعب الذي لا يعرف أن يقول: لا أريد، لا يحق له أن يقول: أريد ...
سنون أربع أذابت منا الشحم واللحم، أفنت الأعصاب، ودقت العظم، ونحن وقوف نتفرج ولا نعرف أن نقول: لا نريد.
لا نريد أن تستبيحوا أموالنا.
لا نريد أن تشلوا تجارتنا.
لا نريد أن تميتوا أطفالنا جوعا.
سنون أربع وأطفالنا تحشرج في الأقنية والمزابل، وقد مسخها الشقاء، فشابهت السعادين والقرود، بل بقايا عاد وثمود.
من هو طفل محمد مصطفى من البسطة، وطفل يوسف توما من شنانعير؟
هما طفلاي أنا، بحكم الأمومة التي حولت ألياف قلبي وجعلتها أوتارا حساسة رنانة، هما طفلاي أنا وطفلا كل امرأة شرفتها الأمومة، فإذا كنت وأنا أم لا أعرف أن أشفق على طفل جاري ؛ فقد سقط عني لقب الأمومة الإلهي.
طأطأنا الرءوس وعفرنا الوجوه، بذلنا الأموال وفلذات الأكباد، ولكننا ما عرفنا أن نقول: لا نريد؛ خفنا من المشنقة ومن النفي، كأن الحكومة البائدة كانت قادرة أن تشنق أو تنفي كل أهل بيروت والشام لو اجتمعوا في يوم واحد وصرخوا بصوت واحد: لا نريد!
قابلت مرة ضابطا إنكليزيا وضابطا إفرنسيا كانا ذاهبين إلى قونية في أوائل الاحتلال، قلت لهما: كل بقايا الجيش التركي موجودة في قونية، أفلا تخافون غدرهم وأنتم حفنة؟ فأجابني كل بلغته - كأن كل واحد يترجم أفكار الآخر: «وأي مصيبة تحدث إذا قتلنا في وديان الأناضول؟ ألا تعلمين أن كل ضابط يقتل هو سلاح جديد يضعه الأعداء في يد الحلفاء؟»
صفحه نامشخص