جميلة هي صالوناتكم يا إخوتي السوريين، ومضحكة هي تقاليدكم الجديدة.
أنا لم أدخل صالونا منها حتى بين كبراء قومنا وأغنيائهم دون أن ينجلي لي فيها نقص التقليد وفراغه من كل حسن وجميل، كل حركة فيها تستوجب الضحك، كل عبارة تلفظ فيها تنافي مبدأ الأدب الأوروبي على خط مستقيم، أنت يا غادة سوريا في هذه المجتمعات كخيال أسود يتحرك على الحائط، وحقيقته بعيدة جدا عنه.
لو دخل مجتمعاتنا التقليدية سيدة أجنبية رسخت فيها عوائد بلادها منذ الصغر، وتأملت بحركاتك يا أختي السورية، بخطوات رجليك، باهتزاز رأسك، بلفظك وتركيب عبارتك، لعادت ساخرة بك، متأسفة على ألفة كان يمكنها أن تكون سورية معتبرة بعوائدها الأصلية، ففضلت أن تصير إفرنجية ناقصة مضحكة ساقطة.
دخلت اليوم إلى أحد صالوناتنا المتمدنة، فرأيت فيه عدة من السيدات والرجال، من الأوانس والشبان، وكلهم يتكلمون ولا أحد يسمع، هذا يسرد حديثا بالإفرنسية، وتلك تناظر رفيقتها بالإنكليزية، فتجيبها هذه تارة بالعربية، وتارة بالإيطاليانية، وكان الحديث فارغا من كل روح؛ لأن المتحادثين كانوا فاقدين المعرفة بأساس ألفتهم، ولا يعرفون من ألفة الإفرنج غير تمثيل حركاتهم، وقف أحد الشبان وكان لابسا نظارة ذهبية على عينيه، وأخذ يلقي على الحضور قصيدة لفيكتور هيغو، فأصغى إليه الكل، وخصوصا السيدات، ولم يكن يفهمن من قصيدة فيلسوف شعراء الفرنسيس غير رنة الوزن فقط، ومع هذا كن يتمايلن؛ ليقال إنهن فرنسويات، وكلهن لطف وشعور، وكان يزداد حماس الشاب من هذه المظاهر الكاذبة، فيرفع صوته متقلدا الإفرنج بلفظ لو سمعه هيغو، لندم على نظمه تلك القصيدة التاعسة ...
وبعد سكوت قصير قالت إحدى الأوانس: أين للشعر العربي هذه الرقة وهذا الجمال؟
وكنت على ثقة بأن حضرتها لم تفهم شيئا من شعور هيغو؛ لأنها لو كانت تشعر بشيء لما ألقت الاحتقار بوجه وطنها، وطعنت بلغة أبيها وأمها، خيل لي أن سهما يشق فؤادي، فنظرت إلى الغادة وقلت لها: هل قرأت شيئا من الشعر العربي أيتها الآنسة؟ - أنا لم أعد أقرأ شيئا من الشعر العربي بعد خروجي من المدرسة، ولكنني لم أزل أذكر القصائد التي تتعلمها البنات وهي ... وأمثال هذه الأشياء الباردة، فكيف تريد بعد أن أعمد إلى مطالعة الشعر العربي؟
سكت؛ لأنني وجدت جوابها مقنعا من بعض الوجوه، وجدت أن هذه الجريمة التي تقترفها بنات الوطن نحو الوطن لهي نتيجة التعليم الفاسد الذي يريد الأجانب أن يستندوا عليه لإماتة اللغة العربية من كل القصائد الذي تعلمت أوروبا منها الشعر، وأحنى هيغو رأسه أمامها قائلا: إن الجمال بالشعور هو جمال عربي، من كل هذه القصائد التي لا تموت لم يجد الأجانب غير النظم الساقط ليقدموه قاعدة تنفر منه قلوب الناشئة من كل القطع الإنشائية التي تدخل إلى أقسام النفس، فترتعش لها عظمة وشعورا، لم يجد الأجانب غير القصص الخرافية المأخوذة عن أسقط طبقات الإنشا العربي، حرقت الأرم وقلت للآنسة: إذا كنت لا تقرئين الدواوين العربية فأنت - ولا شك - تقرئين كتابات هيغو. - نعم إنني أقرأه وألذ به كثيرا. - إذا كان ما تقولين صحيحا فأعجب جدا كيف أنك لم تقرئي رأي هيغو نفسه في آداب لغتنا وشعرنا؟ إذا كان أهل الوطن يساعدون بسكوتهم على قتل لغتهم وتحقيرها فكان يجب أن تتعلمي من شاعر الفرنسيس محبة آداب اللغة التي تكلم بها أجدادك.
لم يكن لكلامي موقع حسن في أذن الآنسة المتفرنجة فهزت كتفيها وقامت إلى البيانو تضرب عليه قطعة بولكا من أبسط ما أبدع الفرنساويون في صناعة الألحان، وكانت تتمايل طربا لدى وقع هذا النغم الفارغ على أذنها ...
وبعد أن انتهت من الضرب أدارت وجهها نحوي، وقالت: وهذا ما تقول به يا مسيو؟
فأجبت: هذا موال إفرنجي ... - آه، أنت بلا ذوق. - نعم، أنا بلا ذوق يا سيدتي، ولكنني أفضل أن أسمع الشيخ سلامة ينشد: سلام على حسن يد الموت لم تكن لتمحوه أو تمحو هواه من القلب، من أن أسمع هذه البولكة التي لا تعني شيئا، أنا أفهم الموسيقى الإفرنجية أكثر مما تفهمينها أيتها الآنسة؛ لأن مقاطع أنغامها لم تزل ترن في أذني من حين كنت مضجعا على سريري، وأعرف من الأنغام الفرنساوية ما لم تحلمي به، ولكنني درست الموسيقى العربية أيضا، فأنا أعرف منك بالاثنين، ولا أريد الآن أن ألقي عليك درسا بالأنغام، بل أريد أن تعرفي أيتها الآنسة بأن تفضيلك أسقط موسيقى عند الإفرنج على أجمل ما ينشد منشد، وأرق شعر نطق به شاعر عربي، لهو دليل على انتصار التقليد المشين في ألفتنا الشقية وانهزام الروح الراقية من بين ناشئتنا ...
صفحه نامشخص