منتزهنا بالأمس، وما لقينا فيه من الأنس، فقال لي: ما بهجة موضع قد بان قطينه وذهب، وسلب الزمان بهجته وانتهب، وباد فلم يبق إلاّ رسمه، ومحاه الحدثان فما كاد يلوح وسمه (١)، عهدي به عندما فرغ من تشييده، وتنوهي في تنسيقه وتنضيده، وقد استدعاني إليه المنصور في يوم (٢) حلّت فيه الشمس برج شرفها، واكتست (٣) الأرض بزخرفها، فحللت به والدوح تميس معاطفه، والنّور يخجله قاطفه، والمدام تطلع به وتغرب، وقد حلّ به قحطان ويعرب، وبين يدي المنصور مائة غلام ما يزيد أحدهم على العشر غير أربع، ولا يحل غير الفؤاد من مربع، وهم يديرون رحيقًا، خلتها في كأسها درًّا أو عقيقًا، فأقمنا والشّهب تغازلنا، وكأن الأفلاك منازلنا، ووهب المنصور في ذلك اليوم ما يزيد على عشرين ألفًا من صلات متصلات، وأقطع ضياعًا، ثم توجع لذلك العهد، وأفصح بما بين ضلوعه من الوجد، وقال:
سقيًا لمنزلة اللّوى وكثيبها ... إذ لا أرى زمنًا كأزماني بها [٩ - من رسالة للفتح]
وما أحسن ما كتب به الفتح إلى بعض الملوك يصف نزهة ببعض منتزهات الأندلس المونقة، ويذكر استضاءته فيها بشموس المسرّة المشرقة، وهو:
أطال الله سبحانه بقاء ناصر الدولة، ومحيي الملّة، الذي حسن بلقياه العيش، وتزين بمحياه الجيش، وراق باسمه الملك، وجرت بعجه الفلك وأنا ربه الليل الدامس؛ ولاح له الأثر الطامس؛ وجرى الدهر لسطوته خائفًا، وغدا السعد بعقوته طائفًا، والزمان ببرود علياه ملتحف، ولثغور نداه
(١) ق: إلا وسمه.
(٢) ك: وقت.
(٣) ك: واكتست فيه.