واستمر البدر على التدريس والهداية إلى سبيل النجاة والصدع بالحق والعمل بما صح له من الأدلة وهو يوذي في ذات الله تعالى ولا يعطفه عن ذلك عاطف إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف ثم سافر إلى (مكة) للحج ثم إلى المدينة للزيارة وكتب إلى والده في ذهابه وأرسلها من حصن (ظفير حجة) قوله (1):
أبثك أني قد وجدت مشقة ... ولم أر في الأسفار ما كنت أخشاه
ومن ركب الأشواق لم ير شقة ... وإن عطبت في كل مجد مطاياه
ومن كان ذكر الله زاد رحيله ... كفاه عن الزاد المجازي وأغناه
ومن كان يبت الله غاية همه ... فطوبى له إن نال ما يتمناه
فيا ليت شعري هل أنادي محرما ... بلبيك ربا ليس يغفر إلا هو
وهل لي بالبيت العتيق وركنه ... طواف وتقبيل ومسح محياه
وفي عرفات هل أراني واقفا ... لدى صخرات فاز من كن ما واه
وهل يقبل الرحمن حجي قائلا ... سمحنا عن العبد المسيء خطاياه
فجودوا علينا بالدعا تفضلا ... وقولوا أسير الشوق في حفظ مولاه
... [218ج]
فأجاب والده -رحمه الله تعالى- بقوله: (2)
هنيئا وطوبى لأمرء طاب مسعاه ... إذا قصد البيت العتيق ومسعاه
ولا غرو أن تطوي له شقة النوى ... وقد كانت الأشواق فيها مطاياه
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لقد نلتم فيه من السؤل أقصاه
بلغتم إلى البيت المعظم شأنه ... فطفتم به سبعا كما شرع الله
وقبلتم الركن الكريم تبركا ... وكم قبلته للخلائق أفواه
وصليتم خلف المقام تذللا ... له فتسنمتم من الفضل أعلاه
ويهنيكم من زمزم شرب ماءه ... ومن يستقي من مائه العذب أرواه
ففيه شفا صح من كل علة ... كما صح من خير البرية معناه
وبالسعي في المسعى سعدتم ومن سعا ... به مذنبا حطت خطاه خطاياه
وفي عرفات إذ وقفتم بلغتم ... إلى شرف لم يبلغ الوهم مرقاه
وقيل أفيضوا قد كتبنا أجوركم ... وما كان من ذنب لكم قد غفرناه
صفحه ۲۰۷