639

أطلع الله بدور سعودك في أفق الكمال، ومح بنور وجودك دياجي الليال، وثبت أقدام عزك ومجدك، وشد عضد نصرك بسعدك، ورفع منار فهمك، كما نشر أعلام علمك، ووسع دائرة مالك، كما عظم قدر كمالك، وأعطاك مفاتيح الكنوز، كما أنطاك دقائق الرموز، ولا زالت أعناق أوقاتك مقلدة بأطواق الأفراح، وألسنة ساحاتك تتلو لعفاتك سورة الانشراح، محفوظا في جميع الحركات والسكنات، محفوفا بلطائف الألطاف في جميع الحالات، والسلام عليك يحاكي رقيق شمائلك، ويساوي كثرة فضائلك، ويوازي عدة فواضلك، ما هزت النسائم أعطاف الأغصان، وأضحك بكاء الغمام ثغور الأقحوان.

وبعد فإن عبد ترب نعلك، وربيب إحاسنك وفضلك، منذ فارق منبت عوده، وواصل هبوطه بصعوده، لم يزل يعد نفسه بمكاتبتك ويمنها على أن العبد لا يميل إلى مكاتبة مولاه ولا يرتضيها، وكان كلما رام ذلك منعه كر الصروف، وحوادث الدهر العسوف، حتى عاتبته لسان الوفا، وأعظمت عليه التلبس بملابس الجفا، فعند ذلك اغتنم فرصة من زمانه وترك القلم يسترسل في هذيانه،:

وعذرا فلي قلب أثارت شجونه ... ظروف زمان يترك العقل معقولا

وأودى بفكري الاغتراب ومن يكن ... أخا غربة لم يعطه دهره سؤلا

ومن تشرق الأيام غرب جفونه ... لمدمعه أضحى بها الدهر مشغولا

نعم إن تفضل مولاي أدام الله دولة سعده، وشيد أركان مجده بالسؤال عن عنده، وما جرى له من بعده، فإنه لم يزل يواصل الأسفار، ويجوب الموامي والقفار، ويغور وينجد، ويخب ويتئد، كأنما الدهر كاتب وبلاد الله طرس، وإنني القلم يظل بيري بصرفه أملي: وكيف يبري لمن يرى ألم:

رقى كالحبر قد أمد به ... وقت مسيري وعاذلي العدم

لكن قلبي على النوى جلد ... يعبس الدهر لي فأبتسم

أخوض بحر الهلاك لا وجلا ... منه وموج الأهوال تلتطم

صفحه ۲۴۳