وينظر إن ما الحوادث أظلمت ... بجود رأيا منه أمضى من النصل
عيون عداه في رياض وفي الحشى ... لوافح أحقاد مراجلها تغلي
لقد فخرت صنعاء منه بماجد ... ففاخرت الشهب الزواهر بالحلي
ولو علمت في أي يوم قدومه ... لقته إلى بعض الطريق من الجبل
ولا غرو إن حاز الفضائل عن يد ... فآباءه قوم يجلون عن مثل
ليوث إذا ما نزلوا في عريكة ... غيوث يكاف الناس في السنة المحل
عذيري فإني لست أحصر فضله ... أأقدر أن أحصي الحصا مع الرمل
ولبث في صنعاء شهورا حتى أذن له المهدي -رحمه الله تعالى- بالرجوع إلى (كوكبان) ورجع معظما مكرما، وبقى فيه على حاله الجميل ناشرا للعلوم ساعيا في مرضات الحي القيوم إلى أن توفي الإمام المهدي -رحمه الله تعالى- في سنة تسع وثمانين ومائة وألف، فدخل إلى صنعاء بيعة أهل (كوكبان) لمولانا وخليفة عصرنا أمير المؤمنين المنصور بالله رب العالمين: علي بن الإمام المهدي حفظه الله وأدام دولته وخلد ملكه وأيده بعزيز نصره آمين.
فتلقاه بما يليق به من التعظيم والإحسان، وأجرى عليه ينابيع الإفضال وخلع عليه خلع الإنعام، واستمد من مواهبه وإفضاله خلعا وأموالا لكل رجل من أعلام (كوكبان)، وهم نحو خمسين رجلا، وقرر أهله على ما هم عليه، وأحسن إليه وإليهم، فوق ما يؤملون ثم صرفه إلى محله رافلا في ثياب النعيم، ماشيا في ساحة التكريم، وبقي إلى سنة خمس وتسعين ثم رحل إلى (حمام علي) المعروف في بلاد آنس لحصول عارض معه أوجب عزمه إليه، فلما وصل إليه كتب إلى ولده المولى شيخنا العلامة برهان الدين بأرجوزته التي تقدم بعضها في ترجمته ومنها قوله:
وهاك فاسمع خبر الطريق ... وما رأيناه على التحقيق
فإننا بعد الوداع لم نزل ... في نعم من ربنا عز وجل
نمشي بجنات شبام أولا ... قد لبثت من سندس ألبست حلالا
ثم لولاه وبعدها ... جنات صنعاء لا أطيق عدها
ثم تركنا عصرا يمننا ... يقسم أنه المنى يمينا
صفحه ۱۹۷