ومن يهدي الرحمن يهتدي، وما لنا سوى الله فيما نرتجيه ونخشاه، وأما ورعه وزهده وعبادته وسكينته ووقاره وخشيته وخشوعه، وما ناسب هذا المعاني فلقد كان إليه -رحمه الله تعالى- فيها المنتهى وكان يقوم أكثر الليل للعبادة، وكان مراقبا لله في جميع حالاته مؤثرا لمراضيه لا تغره زهرة الحياة الدنيا، ولا حب الرياسة التي نالها، ولا الطمع في سائر المناصب وكان كثير البكاء من خشية الله تعالى.
وطالما رأيته عند قراءتي عليه في (صحيح البخاري) يقطع الحديث من شدة البكاء وكذلك إذا أنشد عنده شعرا يتضمن المديح النبوي أو الألحي أو شيئا من الدقائق انسكبت عبراته من أول الإنشاد إلى أخره.
[شعره]
وأما شعره وسهولة النظم والنثر عليه فذلك مما يعجز البلغاء عن مثله، وطالما رأيته ينشئ القصيدة البليغة المطولة في أسرع وقت، ويكتبها كما يكتب الكلام وكثيرا ما يجيب نظما ثم يرسل بها من غير تسويد لها، ولا يظهر بها شئ من التصليح، ولهذا السبب لم يظفر من شعره إلا باليسير لعدم عنايته بجمعه من إبان عمره، وقد ذكر نحو هذا القاضي أحمد بن محمد قاطن في تاريخه، والمولى عبد الله بن عيسى في حدائقه قال فيها ما لفظه ولقد أخبرني أنه صنع بمكة والمدينة من القصائد على لسان غيره ما يجمع في أكثر من ديوان وذلك لكثرة الطالبين منه ذلك.
ولقد رأيته يكتب الشعر كما يكتب الكلام لسهولته عليه، ولم أرى أحسن منه في صناعة التعبير وإبراز المعقول في صورة المحسوس، وبالجملة فما أعلم له الآن في عصرنا من نظير انتهى كلامه.
ووصفه القاضي أحمد بأنه إذا أراد أن يشكل الظواهر التي هي أوضح من الشمس سيرها بحيث يتغلق على النظار ويصعب جوابها على النحارير الكبار.
صفحه ۱۸۹