903

الموافقات

الموافقات

ویرایشگر

أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان

ناشر

دار ابن عفان

ویراست

الأولى

سال انتشار

۱۴۱۷ ه.ق

إليه يَحْلُو لِلْمُحِبِّينَ، وَهُوَ ﵊ كَانَ إمامهم، وكذلك جاء السَّلَفِ تَرْدَادُ الْبُكَاءِ حَتَّى عَمِيَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ، قَالَ:
رَأَيْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ بِوَاسِطٍ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ عَيْنَيْنِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ وَقَدْ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا خَالِدٍ! مَا فَعَلَتِ الْعَيْنَانِ الْجَمِيلَتَانِ؟ فَقَالَ: ذَهَبَ بِهِمَا بُكَاءُ الْأَسْحَارِ١.
وَمَا تَقَدَّمَ فِي احْتِمَالِ مُطْلَقِ الْمَشَقَّةِ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ عَاضِدٌ لهذا المعنى، فإذن مَنْ غَلَّب جَانِبَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مَنَعَ بِإِطْلَاقٍ، وَمَنْ غلَّب جَانِبَ حَقِّ الْعَبْدِ لَمْ يَمْنَعْ بِإِطْلَاقٍ، وَلَكِنْ جَعَلَ ذَلِكَ إِلَى خِيَرَتِهِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الثَّانِي، فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ مَطْلُوبٌ بِأَعْمَالٍ وَوَظَائِفَ شَرْعِيَّةٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا، وَلَا مَحِيصَ لَهُ عَنْهَا، يَقُومُ فِيهَا بِحَقِّ رَبِّهِ تعالى، فإذا أوغل في عمل شَاقٍّ، فَرُبَّمَا قَطَعَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا سِيَّمَا حُقُوقُ الْغَيْرِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيَكُونُ عِبَادَتُهُ أَوْ عَمَلُهُ الدَّاخِلُ فِيهِ قَاطِعًا عَمَّا كَلَّفَهُ اللَّهُ بِهِ، فَيُقَصِّرُ فِيهِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مَلُومًا غَيْرَ مَعْذُورٍ؛ إِذِ الْمُرَادُ مِنْهُ الْقِيَامُ بِجَمِيعِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُخِلُّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَلَا بِحَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ فِيهَا٢.
ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ -وَهِيَ زَوْجُهُ- مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ لَهُ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ: مَا أنا بآكل حتى

١ أخرجه بسنده إلى الحسن بن عرفة به الخطيب في "تاريخه" "١٤/ ٣٤١-٣٤٢".
٢ انظر "منهج التربية الإسلامية" "١/ ١٦٩-١٧٠"، ففيه تفصيل حسن لنحو المذكور هنا.

2 / 247