وتعدد الجوانب من مزايا الزعامة وصفاتها الأولى، وذلك أن تظهر قوة الزعيم في أنحاء متعددة، وتتجلى في مظاهر كثيرة، وتسير في اتجاهات مختلفة، وقد يلوح هذا التعدد في وقت واحد، فيكون الرجل العظيم مديرا وحاذقا للإدارة، وماليا عريفا لفنون المال واستثماره، أو يكون رئيسا وكاتبا وخطيبا، أو محاميا مدرها ساحر البيان.
لقد اشتهر روسو بمقدرته في الفن والأدب والفلسفة والاجتماع؛ كما تفوق ميشيل أنجيلو في الرسم والموسيقى والنحت والهندسة؛ وكان تيودور روزفلت في آن واحد عالما طبيعيا، وسياسيا قائدا، وكاتبا فحلا، ومحاضرا واسع العلم، وقد قيل عن العلامة «بوز» الهندي إنه - بجانب علمه الواسع بالمعارف الطبيعية - المهندس والكهربائي والمثال والخبير بالعاديات والفنون.
ولا خفاء في أن هذا التعدد لجوانب المقدرة في الزعامة يصونها من الصدأ، ويحميها من التثلم، وذهاب الحدة والإرهاف؛ كما أن هناك نزوعا من ناحية هذا التعدد إلى المخالطة بين العمل واللهو بنسب متساوية أو بنسب واجبة، فلا تقطع الأيام في عمل دائم متواصل لا استجمام منه، ولا متعة خلاله، ولا رياضة نفس ورفاهة بدن.
وقد رأينا زعماء كثيرين اشتهروا بجانب فضلهم وجلال زعامتهم بالبراعة في بعض الملاعب، والحذق لجملة من الرياضات المنوعة؛ فمنهم السباح الماهر، والعداء الحاذق، والموسيقي البارع، والملاكم الفواز على الملاكمين.
جان جاك روسو.
وهناك وجه آخر من هذا التعدد الطبيعي؛ وهو قابلية الزعيم للجلوس في أية جماعة، والاختلاط بأية ندوة، والاحتفاء بمقدم أي قبيل من الناس حتى لقد قيل عن أحد الزعماء إنه كان السهل اللين العريكة، الرقيق الحاشية، العذب المحضر، المؤنس المقبل على الرفقة والجماعة بنفسه الصافية الشفافة الأديم.
وكذلك يروح تعدد جوانب القوة والنشاط شهادة بارزة على صلتها الوثيقة بالزعامة، إذ ليس من ريب في أن النشاط هو الدينامو أو المحرك أو الأداة الثابتة في جهاز الشخصية القوية، أو هو الدافع الباعث الذي تستمد منه الصفات الأخرى في الزعامة قواها وحياتها ومظاهرها المتعددة.
النشاط الحيوي هو البداية بالنسبة للزعامة، ولكنه ليس مع ذلك النهاية في مجموع صفاتها ولوازمها الكثيرة ومقتضياتها المنوعة؛ لأنه لا يكفي لضمانها، فقد يسير النشاط في ناحية من الخطأ، وقد يضل الطريق السوي، وإنما يجب أن نعترف بقوة الذهن أو الذكاء والعلم وأصالة الرأي والحكمة والسداد.
وأبرز العناصر التي تتركب منها قوة الذهن وتتصل بتكوين الزعامة هي قوة الملاحظة، وبعد النظر، وصحة التقدير، وملكة التصور والتفكير، وقوة العارضة والمنطق، وما يتفرع عن هذه من المزايا والصفات المتقاربة والملكات المجاورة المتماثلة.
وإذا أردت منا أن نعرف لك الملاحظة، قلنا إنها إدراك الاتجاهات العامة، والتبصر في الدقائق، ورؤية التفاصيل، وكشف الجزئيات، وهي ترى النتائج الكبرى التي تترتب على عمل ما، وتكشف دقائق اللحظة وكل ما يحيط بها؛ وهي تبتدئ باستخدام الحواس في فهم الأشياء، ثم تمتد بعد ذلك إلى إدراك الصلات والعلاقات والروابط بين بعضها وبعض؛ بل هي التحري والتساؤل والتقصي والاستقراء جميعا؛ لتكوين المبادئ ووضع الخطط ورسم السياسات المختلفة.
صفحه نامشخص