مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ولما رأى الأتراك إقدام المعتز على قتل رؤسائهم، وإعماله الحيلة في فنائهم، وأنه قد اصطنع المغاربة والفراغنة دونهم صاروا إليه بأجمعهم، وذلك لأربع بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، وجعلوا يقرعونه بذنوبه، ويوبخونه على أفعاله، وطالبوه بالأموال، وكان المدبر لذلك صالح بن وصيف مع قواد الأتراك، فلج وأنكر أن يكون قبله شيء من المال، فلما حصل المعتز في أيديهم بعث إلى مدينة السلام في محمد بن الواثق الملقب بالمهتدي، وقد كان المعتز نفاه إليها واعتقله فيها، فأتي به في يوم وليلة إلى سامرا، فتلقاه الأولياء في الطريق، ودخل إلى الجوسق، وأجاب المعتز إلى الخلع، على أن يعطوه الأمان أن لا يقتل وأن يؤمنوه على نفسه وماله وولده، وأبى محمد بن الواثق أن يقعد في سرير الملك أو يقبل البيعة حتى يرف المعتز ويسقى كلامه، فأتي بالمعتز وعليه قميص مدنس وعلى رأسه منديل، فلما رآه محمد بن الواثق وثب إليه فعانقه، وجلسا جميعا على السرير، فقال له محمد بن الواثق: يا أخي، ما هذا الأمر؟ قال المعتز: أمر لا أطيقه، ولا أقوم به، ولا أصلح له، فأراد المهتدي أن يتوسط أمره، ويصلح الحال بينه وبين الأتراك، فقال المعتز: لا حاجة لي فيها، ولا يرضونني لها، قال المهتدي: فأنا في حل من بيعتك، قال: أنت في حل وسعة، فلما جعله في حل من بيعته حول وجهه عنه، فأقيم عن حضرته، ورد إلى محبسه، فقتل في محبسه بعد أن خلع بستة أيام، على ما قدمنا في صدر هذا الباب.
وقد قالت الشعراء في خلع المعتز وقتله فأكثرت، ورثته فأحسنت، فمن ذلك قول بعض أهل ذلك العصر من قصيدة له:
عين لا تبخلي بسفح الدموع ... واندبي خير فاجع مفجوع
خانه الناصح الشفيق ونالته أكف الردى بحتف سريع
بكر الترك ناقمين عليه ... خالعيه أفديه من مخلوع
قتلوه ظلما وجورا فألفو ... ه كريم الأخلاق غير جزوع
كان يغشى بحسنه بهجة البد ... ر فتلقاه مظهرا للخضوع
وترى الشمس تستكين فلا تشرق إما رأته وقت الطلوع
لم يهابوا جيشا ولا رهبوا السيف، فلهفي على القتيل الخليع
أصبح الترك مالكي الأمر والعا ... لم ما بين سامع ومطيع
وترى الله فيهم مالك ... الأمر سيخزيهم بقتل ذريع
وقال فيه آخر من قصيدة طويلة:
أصبحت مقلتي بدمع سفوحا ... حين قالوا: أضحى الإمام ذبيحا
قتلوه ظلما وجورا وغدرا ... حين أهدوا إليه حتفا مريحا
نضر الله ذلك الوجه وجها ... وسقى الله ذلك الروح روحا
أيها الترك سوف تلقون للدهر سيوفا لا تستبل الجريحا
فاستعدوا للسيف عاقبه الأمر فقد جئتم فعالا قبيحا
وقال آخر من قصيدة طويلة أيضا:
أصبحت مقلتي تسح الدموعا ... إذ رأت لسيد الأنام خليعا
لهف نفسي عليه ما كان أعلا ... ه وأسراه تابعا متبوعا
ألزموه ذنبا على غير جرم ... فثوى فيهم قتيلا صريعا
وبنو عمه وعم أبيه ... أظهروا ذلة وأبدوا خضوعا
ما بهذا يصح ملك ولا يغرى عدو ولا يكون جميعا
وكان المعتز أول خليفة أظهر الركوب بحلية الذهب، وكان ما سلف قبله من خلفاء بني العباس - وكذلك جماعة من بني أمية - يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة والمناطق وأنجاد السيوف والسروج واللجم، فلما ركب المعتز بحلية الذهب اتبعه الناس في فعل ذلك.
وكذلك المستعين قبله أحدث لبس الأكمام الواسعة، ولم يكن يعهد ذلك، فجعل عرضها ثلاثة أشبار ونحو ذلك ، وصغر القلانس، وكانت قبل ذلك طوالا كأقباع القضاء.
صفحه ۱۱۵