مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
واشتد أمر بابك الخرمي ببلاد الران والبيلقان، وكثرت عترته في تلك البلاد وسار عساكره نحو تلك الأمصار، ففرق الجيوش، وهزم العساكر، وقتل الولاة، وأفنى الناس، فسير إليه المعتصم الجيوش وعليها الأفشين، وكثرت حروبه واتصلت، وضاق بابك في بلاده حتى انفض جمعه، وقتل رجاله، وامتنع بالجبل المعروف بالبدين من أرض الران، وهي بلاد بابك، وبه يعرف هذا الموضع إلى هذا الوقت، فلما استشعر بابك ما نزل به وأشرف عليه هرب من موضعه، وزال عن مكانه، فتنكر هو وأخوه وولده وأهله ومن تبعه من خواصه، وقد تزيا بزي السفر وأهل التجارة والقوافل، فنزل موضعا من بلاد أرمينية من أعمال سهل بن سنباط من بطارقة أرمينية على بعض المياه، وبالقرب منهم راعي غنم، فابتاعوا منه شاة ، وساموا شراء شيء من الزاد لهم، فمضى من فوره إلى سهل بن سنباط الأرميني، فأخبره الخبر، وقال: هو بابك لا شك فيه، وقد كان الأفشين لما هرب بابك من موضعه وزال عن جبله خشي أن يعتصم ببعض الخبال المنيعة أو يتحصن ببعض القلاع، أو ينضاف إلى بعض الأمم القاطنة ببعض تلك الديار فيكثر جمعه وينضاف إليه فلال عسكره، فيرجع إلى ما كان من أمره، فأخنه الطرق، وكاتب البطارقة في الحصون والمواضع من بلاد أرمينية وأذربيجان والران والبيلقان، وضمن في ذلك الرغائب، فلما سمع سهل بن سنباط من الراعي ما أخبره به سار من فوره فيمن حضره من عدده وأصحابه حتى أتى الموضع الذي فيه بابك، فترجل له، ودنا منه، وسلم عليه بالملك، وقال له: أيها الملك، قم إلى قصرك الذي فيه وليك وموضع يمنعك الله فيه من عدوك، فسار معه إلى أن أتى قلعته، وأجلسه على سريره، ورفع منزلته، ووطأ له منزله ومن معه، وقدمت المائدة، وقعد سهل يأكل معه، فمال له بابك، بجهله وقلة معرفته بما هو فيه وما دفع إليه - : أمثلك يأكل معي. فقام سهل عن المائدة، وقال: أخطأت أيها الملك، وأنت أحق من احتمل عبده إذ كانت منزلتي ليست بمنزلة من يأكل مع الملوك، وجاءه بحداد، وقال له: مد رجلك أيها الملك، وأوثقه بالحديد، فقال له بابك: أغدرا يا سهل! قال: يا ابن الخبيثة إنما أنت راعي غنم وبقر، ما أنت والتدبير للملك ونظم السياسات وتدبير الجيوش! وقيد من كان معه، وأرسل إلى الأفشين يخبره الخبر، وأن الرجل عنده، فسرح إليه الأفشين أربعة آلاف فارس عليهم الحديد، وعليهم خليفة يقال له بوماد، فتسلموا بابك ومن معه، وأتي به إلى الأفشين ومعه سهل بن سنباط، فرفع الأفشين منزلة سهل، وخلع عليه، وجمله، وتوجه، وقاد بين يديه، وأسقط عنه الخراج، فأطلقه، وأطلقت الطيور إلى المعتصم، وكتب إليه بالفتح، فلما وصل إليه ذلك ضج الناس بالتكبير، وعمهم الفرح، وأظهروا السرور، وكتبت الكتب إلى الأمصار بالفتح، وقد كان أفنى عساكر السلطان ، فسار الأفشين ببابك، وتنقل بالعساكر، حتى أتى سر من رأى، وذلك سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وتلقى الأفشين هارون بن المعتصم وأهل بيت الخلافة ورجال الدولة، ونزل بالموضع المعروف بالقاطول على خمسة فراسخ من سامرا، وبعث إليه بالفيل الأشهب، وكان قد حمله بعض ملوك الهند إلى المأمون، وكان فيلا عظيما قد جلل بالديباج الأحمر والأخضر وأنواع الحرير الملون، ومعه ناقة عظيمة بختية قد جللت بما وصفنا، وحمل إلى الأفشين دراعة من الديباج الأحمر منسوجة بالذهب قد رصع صدرها بأنواع الياقوت والجوهر، ودراعة دونها، وقلنسوة عظيمة كالبرنس ذات سفاسك بألوان مختلفة، وقد نظم على القلنسوة كثير من اللؤلؤ والجوهر، وألبس بابك الدراعة الجليلة، وألبس أخوه الأخرى، وجعلت القلنسوة على رأس أخيه نحوها، وقدم إليه الفيل، وإلى أخيه الناقة، فلما رأى صورة الفيل استعظمه وقال: ما هذه الدإبة العظيمة؟ واستحسن الدراعة، وقال: هذه كرامة ملك عظيم جليل، إلى أسير فقد العز ذليل، أخطأته الأقدار، وزالت عنه الجدود، وتورطته المحن، إنها لفرجة تقتضي ترحة، وضرب له المصاف صفين في الخيل والرجال والسلاح والحديد والرايات والبنود، من القاطول إلى سامرا، ملا واحد متصل غير منفصل، وبابك على الفيل وأخوه وراءه على الناقة، والفيل يخطر بين الصفين به، وبابك ينظر إلى ذات اليمين وذات الشمال، ويميز الرجال والعمد، ويظهر الأسف والحنين على ما فاته من سفك دمائهم، غير مستعظم لما يرى من كثرتهم، وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ولم ير الناس مثل ذلك اليوم، ولا مثل تلك الزينة، ودخل الأفشين على المعتصم فرفع منزلته، وأعلى مكانه، وأتى ببابك فطوف به بين يديه، فقال له المعتصم: أنت بابك؟ فلم يجب، وكررها عليه مرارا، وبابك ساكت، فمال بليه الأفشين وقال: الويل لك! أمير المؤمنين يخاطبك وأنت ساكت؟ فقال: نعم أنا بابك، فسجد المعتصم عند ذلك، وأمر بقطع يديه ورجليه. ما فاته من سفك دمائهم، غير مستعظم لما يرى من كثرتهم، وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ولم ير الناس مثل ذلك اليوم، ولا مثل تلك الزينة، ودخل الأفشين على المعتصم فرفع منزلته، وأعلى مكانه، وأتى ببابك فطوف به بين يديه، فقال له المعتصم: أنت بابك؟ فلم يجب، وكررها عليه مرارا، وبابك ساكت، فمال بليه الأفشين وقال: الويل لك! أمير المؤمنين يخاطبك وأنت ساكت؟ فقال: نعم أنا بابك، فسجد المعتصم عند ذلك، وأمر بقطع يديه ورجليه.
قال المسعودي: ورأيت في كتاب أخبار بغداد أنه لما وقف بابك بين يديه لم يكلمه مليا، ثم قال له: أنت بابك. قال: نعم، أنا عبدك وغلامك، وكان اسم بابك الحسن، واسم أخيه عبد الله، قال: جردوه، فسلبه الخدام ما عليه من الزينة، وقطعت يمينه، وضرب بها وجهه، وفعل مثل ذلك بيساره، وثلث برجليه، وهو يتمرغ في النطع في دمه، وقد كان تكلم بكلام كثير يرغب في أموال عظيمة قبله، فلم يلتفت إلى قوله، وأقبل يضرب بما بقي من زنديه وجهه، وأمر المعتصم السياف أن يدخل السيف بين ضلعين من أضلاعه أسفل من القلب ليكون أطول لعذابه، ففعل، ثم أمر بجز لسانه وصلب أطرافه مع جسده فصلب ثم حمل الرأس إلى مدينة السلام، ونصب على الجسر، لما كان في نفوس الناس من استفحال أمره، وعظم شأنه، وكثرة جنوده، وإشرافه على إزالة ملك وقلب ملة وتبديلها، وحمل أخوه عبد الله مع الرأس إلى مدينة السلام، ففعل به إسحاق بن إبراهيم أميرها ما فعل بأخيه بابك بسامرا، وصلبت جثة بابك على خشبة طويلة في أقاصي سامرا، وموضعه مشهور إلى هذه الغاية يعرف بخشبة بابك، وإن كانت سامرا في هذا الوقت قد خلا منها ساكنها، وبان عنها قاطنها، إلا يسيرا من الناس في بعض المواضع بها.
ولما قتل بابك وأخوه وكان مرت أمره ما تقدم ذكره قام في مجلس المعتصم الخطباء فتكلموا، وقالت الشعراء: فمن قام في ذلك اليوم إبراهيم بن المهدي فقال شعرا بدلا من الخطبة، وهو:
يا أمين الله، إن الحمد لله كثيرا
هكذا النصر فلا زا ... ل لك الله نصيرا
وعلى الأعداء أعطيت من الله ظهيرا
وهنيئا هيأ الله لك الفتح الخطيرا
فهو فتح لم ير الناس له فتحا نظيرا
وجزى الأفشين عبدا ... لله خيرا وحبورا
فلقد لاقى به با ... بك يوما قمطريرا
ذاك مولاك الذي ألفيته جلدا صبورا
لك حتى ضرج السيف له خدا نضيرا
ضربة ألقت على الدهر له في الوجه نورا
وتوج الأفشين بتاج من الذهب مرصع بالجوهر، وإكليل ليس فيه من الجوهر إلا الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر قد شبك بالذهب، وألبس وشاحين، وزوج المعتصم الحسن بن الأفشين بأترجة بنت أشناس، وزفت إليه، وأقيم لها عرس يجاوز المقدار في البهاء والجمال، وكانت توصف بالجمال والكمال، ولما كان من ليلة الزفاف ما عم سروره خواص الناس وكثيرا من عوامهم، قال المعتصم أبياتا يصف حسنهما وجمالهما واجتماعهما، وهي:
زفت عروس إلى عروس ... بنت رئيس إلى رئيس
أيهما كان ليت شعري ... أجل في الصدر والنفوس
أصاحب المر هذه المحلى ... أم ذو الوشاحين والشموس
غزو الروم زبطرة
صفحه ۶۳