مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وماخلقت إلا لبذل أكفهم ... وأالسنهم إلالتحبير منطق فيوما يبارون الرياح سماحة ... ويوما لبذل الخاطب المتشدق
قال: فسكت الراوية، ولو أتى بشعره كله لقال سرقه.
أبو العتاهية وعتبة
وحدث أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال: كان أبو العتاهية قد أكثر مسألة الرشيد في عتبة، فوعده بتزويجها أانه يسألها في ذلك: فإن أجابت جهزها وأعطاه مالا عظيما، ثم إن الرشيد سنح له شغل استمر به، فحجب أبو العتاهية عن الوصول إليه، فدفع إلى مسرور الخادم الكبير ثلاث مراوح، فدخل بها على الرشيد وهو يتبسم، وكانت مجتمعة، فقرأ على واحدة منها مكتوبا:
ولقد تنسمت الرياح لحاجتي ... فإذا لها من راحتيه شميم
فقال: أحسن الخبيث، وإذا على الثانية:
أعلقت نفسي من رجائك ماله ... عنق يحث إليك بي ورسيم
فقال: قد أجاد، وإذا على الثالثة:
ولربما استيأست ثم أقول: لا ... إن الذي ضمن النجاح كريم
فقال: قاتله الله!! ما أحسن ما قال، ثم دعا به، وقال: ضمنت لك يا أبا العتاهية وفي غد نقضي حاجتك إن شاء الله، وبعث إلى عتبة إن لي إليك حاجة فانتظريني الليلة في منزلك، فأكبرت ذلك وأعظمته، وصارت إليه تستعفيه، فحلف أن لا يذكر لها حاجته إلا في منزلها، فلما كان في الليل سار إليها ومعه جماعة من خواص خدمه، فقال لها: لست أذكر حاجتي أو تضمنين قضاءها، قالت: أنا امتك وأمرك نافذ في ما خلا أمر أبي العتاهية فإني حلفت لأبيك رضي الله عنه بكل يمين يحلف بها بر وفاجر وبالمشي إلى بيت الله الحرام حافية كلما انقضت عني حجة وجبت علي أخرى لا أقتصر منها على الكفارة، وكلما أفدت شيئا تصدقت به إلا ما أصلي فيه ، وبكت بين يديه، فرق لها ورحمها وانصرف عنها، وغدا عليه أبو العتاهية وهو لا يشك في الظفر بها فقال له الرشيد: والله ما قصرت في أمرك، ومسرور وحسين ورشيد وغيرهم شهود لي بذلك، وشرح له الخبر، قال أبو العتاهية: فلما أخبرني بذلك مكثت مليا لا أدري أين أنا، ثم قلت: الآن يئست منها إذ ردتك، وعلمت إنها لا تجيب أحدا بعدك، فلبس ابو العتاهية الصوف، وقال في ذلك من أبيات:
قطعت منك حبائل الآمال ... وحططت عن ظهر المطي رحالي
ووجدت برد اليأس بين جوانحي ... فغنيت عن حل وعن ترحال
وذكر إنه لما اتصل بالرشيد قول أبي العتاهية في عتبة:
ألا إن ظبيا للخليفة صادني ... ومالي على ضبي الخليفة من عدوى
غضب الرشيد وقال: أسخر منا فعبث، وأمر بحبسه، فدفعه إلى تنجاب صاحب عقوبته، وكان فظا غليظا، فقال أبو العتاهية:
تنجاب لا تعجل ... علي فليس ذا من رائه
ماخلت هذا في مخا ... يل ضو ءبرق سمائه
وكان من أشعاره في الحبس بعد ما طال مكثه:
إنما أنت رحمة وسلامه ... زادك الله غبطة وكرامه
قيل لي: قد رضيت عني، فمن لي ... أن أرى لي على رضاك علامه
فقال الرشيد: لله أبوه! لو رأيته ما حبسته، وإنما سمحت نفسي بحبسه لأنه كان غائبا عني، وأمر بإطلاقه: وأبو العتاهية الذي يقول:
نراع لذكر الموت ساعة ذكره ... ونغتر بالدنيا فنلهو ونلعب
ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها ... وماكنت فيه فهوشيء محبب
وهو الذي يقول أيضا:
حتوفهارصد، وعيشها رنق ... وكدها نكد، وملكها دول
وهو الذي يقول:
المرء في تأخير مدته ... كالثوب يبلى بعد جدته
عجبا لمنتبه يضيع ما ... يحتاج فيه ليوم رقدته
وقال:
لا تأمن الدنيا على غدرها ... كم غدرت قبل بأمثالكا
قد أجمع الناس على ذمها ... وما أرى منهم لها تاركا
صفحه ۷