420

مروج الذهب ومعادن الجوهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وأجرى الوليد الخيل بالرصافة، وأقام الحلبة، وهي يومئذ ألف قارح، ووقف بها ينتظر الزائد، ومعه سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، وكان له فيها جواد يقال له المصباح، فلما طلعت الخيل قال الوليد: خيلي ورب الكعبة المحرمه ... سبقن أفراس الرجال اللومه

كما سبقناهم وحزنا المكرمه

كذاك كنا في الدهور القدمه ... أهل العلا والرتب المعظمه

فأقبل فرس ابن الوليد ويقال له: الوضاح أمام الخيل فلما دنا صرع فارسه، وأقبل المصباح فرس سعيد يتلوه وعليه فارسه، وهو فيما يرى سعيد يعد سابقا، فقال سعيد والوليد يسمع:

نحن سبقنا اليوم خيل اللومه ... وصرف الله إلينا المكرمه

كذاك كنا في الدهور القدمه ... أهل العلا والرتب المعظمة

فضحك الوليد لما سمعه، وخشي أن تسبق فرس سعيد، فركض فرسه حتى ساوى الوضاح، فقذف بنفسه عليه، ودخل سابقا، فكان الوليد أول من فعل ذلك وسنه في الحلبة، ثم تلاه في الفعل كذلك المهدي في أيام المنصور، والهادي في أيام المهدي، ثم عرضت على الوليد الخيل في الحلبة الثانية، فمر به فرس لسعيد، فقال: لا نسابقك يا أبا عنبسة، وأنت القائل :

نحن سبقنا اليوم خيل اللومه

فقال سعيد: ليس كذا قلت يا أمير المؤمنين، وإنما قلت:

نحن سبقنا اليوم خيلا لومه

فضحك الوليد، وضمه إلى نفسه، وقال: لا عدمت قريش أخا مثلك.

وللوليد بن يزيد أخبار حسان في جمعه الخيول في الحلبة، فإنه اجتمع له في الحلبة ألف قارع، وجمع بين الفرس المعروف بالزائد والفرس المعروف بالسندي، وكانا قد برزا في الجري على خيول زمانهما، وقد ذكر ذلك جماعة من الأخباريين وأصحاب التواريخ، مثل ابن عفير والأصمعي وأبي عبيدة وجعفر بن سليمان، وقد أتينا على الغرر من أخباره في أخبار الخيل، وأخبار الحلبات، وخبر الفرس المعروف بالزائد والسندي وأشقر مروان، وغير ذلك من أخبار من سلف من الأمويين، ومن تأخر، في كتابنا المترجم بالأوسط، وإنما الغرض من هذا الكتاب إيراده جوامع تاريخهم، ولمع من أخبارهم وسيرهم، وكذلك أتينا على ذكر ما يستحب من معرفة خلق الخيل وصفاتها من سائر أعضائها وعيوبها وخلقها، والشاب منها والهرم، ووصف ألوانها ودوائرها، وما يستحسن من ذلك، ومقادير أعمارها، ومنتهى بقائها، وتنازع الناس في أعداد هذه الدوائر، والمحودة منها والمذمومة، ومن رأى أنها ثماني عشرة أو أقل من ذلك أو أكثر على حسب ما أدرك من طرق العادات بها والتجارب، ووصف السوابق من الخيل، وغير ذلك مما تكلم الناس به في شأنها وأعرافها، فيما سلف من كتبنا.

وفاة أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين

وفي أيام الوليد بن يزيد كانت وفاة أبي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وقد تنوزع في ذلك: فمن الناس من رأى أن وفاته كانت في أيام هشام، وذلك سنة سبع عشرة ومائة، ومن الناس من رأى أنه مات في أيام يزيد بن عبد الملك، وهو ابن سبع وخمسين سنة، بالمدينة، ودفن بالبقيع مع أبيه علي بن الحنسين، وغيره من سلفه رضي الله عنهم، مما سنورد ذكرهم فيما يرد من هذاالكتاب إن شاء الله تعالى، والله ولي التوفيق.

ذكر أيام يزيد وإبراهيم ابني الوليد ابن عبد الملك بن مروان

ولي يزيد بن الوليد بدمشق ليلة الجمعة لسبع بقين من جمادي الآخرة، فبايعه الناس بعد قتل الوليد بن يزيد، وتوفي يزيد بن الوليد بدمشق يوم الأحد هلال ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، فكانت ولايته من مقتل الوليد بن يزيد إلى أن مات خمسة أشهر وليلتين، وقد كان إبراهيم بن الوليد أخوه قام بالأمر من بعده، فبايعه الناس بدمشق أربعة أشهر، وقيل: شهرين، ثم خلع، وكانت أيامه عجيبة الشأن من كثرة الهرج والاختلاط، واختلاف الكلمة، وسقوط الهيبة، وفيه يقول بعض أهل ذلك العصر:

نبايع إبراهيم في كل جمعة ... إلا إن أمرا أنت وإليه ضائع

ودفن يزيد بن الوليد بدمشق بين باب الجابية وباب الصغير، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، ويقال: ابن ست وأربعين سنة على الخلاف في ذلك.

ذكرلمع مما كان في أيامهما

وصف يزيد الناقص

صفحه ۴۴۳