مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وقبض عبد الله بن جعفر وهو ابن سبع وستين، وولد بالحبشة حين هاجر جعفر إلى هنالك، وقيل: إن مولده كان في السنة التي قبض فيها النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل غير ذلك. وذكر المبرد والمدائني والعتبي وغيرهم من الأخباريين أن عبد الله عوتب على كثرة إفضاله، فقال: إن الله تعالى عودني أن يفضل علي، وعودته أن أفضل على عباده، فأكره أن أقطع العادة عنهم فيقطع العادة عني ووفد عبد الله على معاوية، بدمشق، فعلم به عمرو بن العاص قبل دخوله دمشق، أخبره بذلك مولى له كان سار مع ابن جعفر من الحجاز فتقدمه بمرحلتين إلى دمشق، فدخل عمرو على معاوية وعنده جماعة من قريش من بني هاشم وغيرهم: منهم عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب، فقال عمرو: قد أتاكم رجل كثير الخلوات بالتمني، والطرقات بالتغني، آخذ للسلف، منقاد بالسرف، فغضب عبد الله بن الحارث، وقال لعمرو: كذبت وأهل ذلك أنت، ليس عبد الله كما ذكرت، ولكنه لله ذكور، ولبلائه شكور، وعن الخنانفور، ما جد مهذب كريم سيد حليم، إن ابتدأ أصاب، وإن سئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا فحاش ولا سباب كالهزبر الضرغام، الجريء المقدام، والسيف الصمصام، والحب القمقام، وليس كمن اختصم فيه من قريش شرارها، فغلب علب جزارها، فأصبح ألأمها حسبا، وأدناها منصبا، يلوذ منها بذليل، ويأوى، إلى قليل، وليت شعري بأي حسب تتناول. أو بأي قدم تتعرض. غير أنك تعلو بغبر أركانك، وتتكلم بغير لسانك، ولقد كان أبر في الحكم وأبين في الفضل، أن يكفك ابن أبي سفيان عن ولوعك بأعراض قريش وأن يكعمك كعام الضبع في وجارها، ولست لأعراضها بوفي، لأحسابها بكفي، وقد أتيح لك ضيغم شرس، للأقران مختلس وللأرواح مفترس، فهم عمرو أن يتكلم، فمنعه معاوية من ذلك، وقال عبد الله بن الحارث: لا يبق المرء إلا على نفسه، والله إن لساني لحديد وإن جوابي لعتيد، وإن قولي لسديد، وإن أنصاري لشهود، فقام معاوية وتفرق القوم.
ولعبد الله بن جعفر بن أبي طالب أخبار حسان في الجود والكرم وغير ذلك من المناقب، وقد أتينا على مبسوط ذلك في كتابينا أخبار الزمان والأوسط، وإنما كان تزوج الحجاج إليه يبتذل بذلك آل أبي طالب.
كتاب من عبد الملك إلى الحجاج لم يفهمه
وكتب الحجاج إلى عبد الملك يغلظ له أمر الخوارج مع قطري، فكتب إليه: أما بعد، فإني أحمد إليك السيف، وأوصيك بما أوصى به البكري زيدا، فلم يفهم الحجاج ما عناه عبد الملك، وقال: من جاء بتفسير ما أوصى به البكري زيدا فله عشرة آلاف درهم، فورد رجل من الحجاز يتظلم من بعض عماله، فقيل له: أتعلم ما أوصى به البكري زيدا، قال: نعم، قالوا: فأت الحجاج به ولك عشرة آلاف درهم، فأتاه فأحضره، فقال: أوصاه بأن قال:
أقول لزيد لا تبربر فإنهم ... يرون المنايا دون قتلك أوقتلي
فإن وضعوا حربا فضعها، وإن أبوا ... فشب وقود الحرب بالحطب الجزل
وإن عضت الحرب الضروس بنابها ... فعرضة حد السيف مثلك أو مثلي
فقال الحجاج: صدق أمير المؤمنين وصدق البكري.
كتاب من الحجاج إلى المهلب
وكتب إلى المهلب: إن أمير المؤمنين أوصاني بما أوصى به البكري زيدا، وأنا أوصيك به وبما أوصى به الحارث بن كعب بنيه، فأتى المهلب بوصيته فإذا فيها: يا بني، كونوا جميعا ولا تكونوا شتى فتفرقوا، وبروا قبل أن تبروا، فموت في قوة وعز، خير من حياة في ذل وعجز، فقال المهلب: صدق البكري والحارث بن كعب.
وكتب عبد الملك إلى الحجاج: جنبني دماء آل أبي طالب، فإني رأيت الملك استوحش من آل حرب حين سفكوا دماءهم، فكان الحجاج يتجنبها خوفا من زوال الملك عنهم، لا خوفا من الخالق عز وجل.
ليلى الأخيلية والحجاج
ودخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فقالت: أصلح الله الأمير، أتيت لإخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، قال: فأخبريني عن الأرض، قالت: الأرض مقشعرة، والفجاج مغبرة، والمقتر مقل، وذو العيال مختل، والبائس معتل، والناس مسنتون، رحمة الله يرجون، قال: أي النساء تختارين تنزلين عندها؟ قالت: سمهن لي، قال: عندي هند بنت المهلب، وهند بنت أسماء بن خارجة، فاختارتها فدخلت عليها، فصبت حليها عليها حتى أثقلها، لاختيارها إياها ودخولها عليها دون من سواها.
صفحه ۴۲۲