378

مروج الذهب ومعادن الجوهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وذكر عند معاوية عبد الملك فقال: هو آخذ بثلاث، وتارك لثلاث: آخذ بقلوب الناس إذ حدث، ويحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر الأمرين إذا خولف، تارك للمماراة، تارك للغيبة، وتارك لما يعتفر منه. وقال لعبد الملك بعض جلسائه يوما: أريد الخلوة بك، فلما خلا به قال له عبد الملك: بشرط ثلاث خصال: لا تطر نفسي عندك فأنا أعلم بها منك، ولا تغتب عندي أحدا فلست أسمع منك، ولا تكذبني فلا رأي لمكذب، قال: أتأذن لي في الإنصراف. قال: إذا شئت.

عبد الملك وعامل له قبل هدية

وذكر الهيثم وغيره من الأخباريين أن عبد الملك بلغه عن عامل من عماله أنه قبل الهدايا، فأشخصه إليه، فلما دخل عليه قال له، أقبلت هدية منذ وليت. قال له: يا أمير المؤمنين، بلادك عامرة، وخراجك موفور، ورعيتك على أفضل حال، قال: أجب فيما سألتك عنه، أقبلت هدية منذ وليتك. قال: نعم، قال: إن كنت قبلت ولم تعوض إنك للئيم، ولئن كنت أنلت مهديها من غير مالك أو استكفيته ما لم يكن مثله مستكفاه إنك لخائن جائر، وما أتيت أمر لا تخلو فيه من دناءة أو خيانة أو جهل مصطنع، وأمر بصرفه من عمله.

عبد الملك وعمرو بن بلال يصلح بينه وبين زوجته

وحدث المنقري عن الضبي قال: قال الوليد بن إسحاق: قال ابن عباس: كانت عاتكة بنت يزيد بن معاوية - وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر - تحت عبد الملك بن مروان، فغضبت عليه، فطلب رضاها بكل شيء، فأبت عليه وكانت أحب الناس إليه، فشكا ذلك إلى خاصته، فقال له عمرو بن بلال رجل من بني أسد كان قد تزوج بنت زنباع الجذامي: مالي عليك إن أرضيتها؟ قال: حكمك، فخرج وجلس ببابها يبكي فقالت له خاصتها: ما لك تبكي أبا حفص؟ قال: فزعت إلى ابنة عمي، فاستأذنوا لي عليها، فأذنت له وبينهما ستر، فقال: عرفت حالي مع أمراء المؤمنين معاوية ويزيد ومروان وعبد الملك، ولم يكن لي غير ابنين فعدا أحدهما على الاخر فقتله، فقال أمير المؤمنين: أنا قاتل المعتدي، قلت له: أنا ولي الدم وقد عفوت، فأبى علي وقال: ما أحب أن أعود رعيتي هذا، وهو قاتله بالغداة، فأنشدك الله إلا ما طلبته منه، فقالت: لا أكلمه، قال: ما أظنك تكسبين شيئا هو أفضل من إحياء نفس، ولم يزل بها خواصها وخدمها وحاشيتها حتى قالت: علي بثيابي، فلبست، وكان بينها وبين عبد الملك باب، وكانت قد ردمته، فأمرت بفتحه، ثم دخلت فأقبل الخصي يشتد فقال: يا أمير المؤمنين، هذه عاتكة، قال: ويلك!! ورأيتها. قال: نعم، إذ طلعت وعبد الملك على سريره، فسلمت، فسكت، فقالت: أما والله لولا مكان عمرو بن بلال ما أتيتك، الله أن عدا أحد أبنيه على الاخر فقتله وهو ولي الدم وقد عفا عنه أعزمت لتقتلنه، قال: إي والله وهو راغم، فأخذت بيده فأعرض عنها، فأخذت برجله فقبلتها، فقال: هو لك، وتراضيا بعد أن نكحها ثلاثا وراح عبد الملك فجلس للخاصة، فدخل عمرو بن بلال، فقال له: يا أبا حفص، ألطفت الحيلة في القيادة، ولك الحكم، فقال: يا أمير المؤمنين، ألف دينار ومزرعة بما فيها من الآلات والرقيق، قال: هي لك، قال: وفرائض لولدي وأهل بيتي، قال: وذلك كله، وبلغ عاتكة. الخبر، فقالت: ويلي على القواد، إنما خدعني.

الحجاج يصف الفتنة

وكتب عبد الملك إلى الحجاج أن صف لي الفتنة، فكتب إليه: إن الفتنة تشب بالنجوى، وتحصد بالشكوى، وتنتج بالخطب، فكتب إليه: إنك قد أصبت وأحسنت الصفة، فإن أردت أن يستقيم لك من قبلك فخذهم بالجماعة، وأعطهم عطاء الفرقة، وألصق بهم الحاجة.

وحدثنا المنقري، قال: حدثنا أبو الوليد الصباح بن الوليد قال: حدثنا أبو رياش ضب بن الفاقة، عن مقلس بن سابق الدمشقي ثم السكسكي، أن عبد الملك لما بلغه خلع ابن الأشعث صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن أهل العراق استعجلوا قدري قبل إنقضاء أجلي، اللهم لا تسلطنا على من هو خير منا، ولا تسلط علينا من نحن خير منه، اللهم سلط سيف أهل الشام على أهل العراق حتى يبلغ رضاك، فإذا بلغه فلا تجاوز به سخطك.

كتاب من عبد الملك إلى الحجاج لم يفهمه

صفحه ۴۰۰