مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
فاقتتلوا حتى غشيهم المساء، فقال عتاب بن ورقاء التميمي، وكان مع ابن الأشتر: يا إبراهيم، إن الناس " قد جهدوا فمرهم بالانصراف، حسدا له لإشرافه على الفتح، فقال له إبراهيم: وكيف ينصرفون وعدوهم بإزائهم؟! فقال عتاب: فمر الميمنة أن تنصرف، فأبى إبراهيم ذلك، فمضى إليهم عتاب فأمرهم بالإنصراف، فلما زالوا عن مصافهم أكبت ميسرة محمد عليهم، واختلط الرجال، وصمدت الفرسان لإبراهيم، واشتبكت عليه الأسنة، فبرى منها عدة رماح، وأسلمه من كان معه، فاقتلع من سرجه ودار به الرجال وازدحموا عليه، فقتل بعد أن أبلى ونكأ فيهم، وقد تنوزع في اخذ رأسه: فمنهم من زعم أن ثابت بن يزيد مولى الحصين بن نمير الكندي هو الذي أخذ رأسه، ومنهم من ذكر أن عبيد بن ميسرة مولى بني يشكر ثم من بني رفاعة هو الذي أخذ رأسه، وأتى عبد الملك بجسد إبراهيم فألقي بين يديه، فأخذه مولى الحصين بن نمير، فجمع عليه حطبا وأحرقه بالنار. وسار عبد الملك في صبيحة تلك الليلة من موضعه حتى نزل بدير الجاثليق من أرض السوداء، وأقبل عبيد الله بن زياد بن ظبيان وعكرمة بن ربعي إلى رايات ربيعة فأضافوا إلى عسكر عبد الملك ودخلوا في طاعته، ثم تصاف القوم، فأفرد مصعب، وتخلى عنه من كان معه من مصر واليمن، وبقي في سبعة نفر منهم إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله التميمي، وابنه عيسى بن مصعب، فقال لابنه عيسى: يا بني اركب فرسك فانج بنفسك فالحق بمكة بعمك، فأخبره بما صنع بي أهل العراق، ودعني فإني مقتول، فقال له: لا والله، لا يتحدث نساء قريش إني فررت عنك، ولا أحدثهم عنك أبدا، فقال له مصعب: أما إذ أبيت فتقدم أمامي حتى أحتسبك، فتقدم عيسى فقاتل حتى قتل.
وسأل محمد بن مروان أخاه " عبد الملك أن يؤمن مصعبا، فاستشار عبد الملك من حضره، فقال له علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب: لا تؤمنه، وقال خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: بل أمنه، وارتفع الكلام بين علي وخالد حتى تسابا على مصافهما، فأمر عبد الملك أخاه محمدا أن يمضي إلى مصعب فيؤمنه ويعطيه عنه ما أراد، فمضى محمد فوقف قريبا من مصعب، ثم قال: يا مصعب، هلم إلي، أنا ابن عمك محمد بن مروان، وقد أمنك أمير المؤمنين على نفسك ومالك، وكل ما أحدثت، وأن تنزل أي البلاد شئت، ولو أراد بك غير ذلك لأنزله بك، فأنشدك الله في نفسك.
وأقبل رجل من أهل الشام إلى عيسى بن مصعب ليحتزرأسه، فعطف عليه مصعب والرجل غافل، فناداه أهل الشام: ويلك يا فلان الأسد قد أقبل نحوك، ولحقه مصعب فقده، وعرقب فرس مصعب، وبقي راجلا، فأقبل عليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فاختلفا ضربتين، سبق مصعب بالضربة إلى رأسه وكان مصعب قد أثخن بالجراح، وضربه عبيد الله فقتله، واحتزرأسه، وأتى به عبد الملك، فسجد عبد الملك، وقبض عبيد الله بن زياد على قائم سيفه فاجتذبه من غمده حتى أتى على أكثره سلا ليضرب عبد الملك في حال سجوده، ثم ندم واسترجع، فكان يقول بعد ذلك: ذهب الفتك من الناس، إذ هممت ولم أفعل فأكون قد قتلت عبد الملك ومصعبا ملكي العرب في ساعة واحدة، وتمثل عبيد الله عند مجيئه برأس مصعب:
نعاطي الملوك الحق ماقسطوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرم
وقال عبد الملك: متى تلد قريش مثل مصعب؟ وكان قتل مصعب يوم الثلاثاء، لثلاث خلت من جماعي الأولى سنة اثنتين وسبعين، وأمر عبد الملك بمصعب وابنه عيسى فدفنا بدير الجاثليق، ودعا عبد الملك أهل العراق إلى بيعته فبايعوه.
وقد كان مسلم بن عمرو الباهلي من صنائع معاوية وابنه يزيد، و في ذلك اليوم في جيش مصعب، فأتى بعد عبد الملك وقد أخذ له منه الأمان، فقيل له: أنت ميت لا ترجو الحياة لما بك من الجراح، فما تصنع بالأمان؟ قال: ليسلم ما لي ويأمن ولدي بعدي، فلما وضع بين يدي عبد الملك قال: قطع الله يد ضاربك كيف لم يجهز عليك. أكفرت صنائع آل حرب معك؟ فأمنه على ماله وولده ومات من ساعته.
وفي مصرع مصعب بدير الجاثليق من أرض العراق، يقول عبد الله بن قيس الرقيات:
قد أورث المصرين عارا وذلة ... فتيل بدير الجاثليق مقيم
فما نصحت لله بكر بن وائل، ... ولا صبرت عند اللقاء تميم
لكنه ضاع الذمار، ولم يكن ... بها مضري يوم ذاك كريم
جزى الله بصريا بذاك ملامة ... وكوفيهم، إن المليم مليم
وفي ذلك يقول شاعر أهل الشام من أبيات:
لعمري لقد أضجرت خيلنا ... بأكناف دجلة للمصعب
يهزون كل طويل القنا ... ة معتدل النصل والثعلب
إذا ما منافق أهل العرا ... ق عوتب يوما فلم يعتب
دلفنا إليه لدى موقف ... قليل التفقد للغيب
وقد كان مصعب ذا حسن، وجمال، وهيئة، وكمال في الصورة، وفيه يقول ابن قيس الرقيات من كلمة:
إنما مصعب شهاب من الله تجلت عن وجهه الظلماء
وقد أتينا على أخبار مصعب، وسكينة بنت الحسين زوجه، وعائشة بنت طلحة وليلى من نسائه وغير ذلك من أخباره في الكتاب الأوسط.
أربعة رؤوس في مكان واحد
صفحه ۳۹۵