مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ولما هلك يزيد بن معاوية ووليها معاوية بن يزيد نمي ذلك إلى الحصين بن نمير ومن معه في الجيش من أهل الشام، وهو على حرب ابن الزبير، فهادنوا ابن الزبير، ونزلوا مكة، فلقي الحصين عبد الله في المسجد، فقال له: هل لك يا ابن الزبير أن أحملك إلى الشام وأبايع لك بالخلافة. فقال عبد الله رافعا صوته: أبعد قتل أهل الحرة، لا والله حتى أقتل بكل رجل خمسة من أهل الشام، فقال الحصين: من زعم يا ابن الزبير أنك فى داهية فهو أحمق، أكلمك سرا وتكلمني علانية، أدعوك إلى أن أستخلفك فترفع الحرب وتزعم أنك تقاتلنا، فستعلم أينا المقتول، وانصرف أهل الشام إلى بلادهم مع الحصين، فلما صاروا إلى المدينة جعل أهلها يهتفون بهم، ويتوعدونهم، ويذكرون قتلاهم بالحرة، فلما أكثروا من ذلك وخافوا الفتنة وهيجها صعد روح بن زنباع الجذامي على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في ذلك الجيش، فقال: يا أهل المدينة، ما هذا الإيعاد الذي توعدوننا؟ إنا والله ما دعوناكم إلى كلب لمبايعة رجل منهم، ولا إلى رجل من بلقين،، ولا إلى رجل من لخم أو جذام، ولا غيرهم من العرب والموالي، ولكن دعوناكم إلى هذا الحي من قريش، يعني بني أمية، ثم إلى طاعة يزيد بن معاوية، وعلى طاعته قاتلناكم، فإيانا توعدون؟ أما والله إنا لأبناء الطعن والطاعون، وفضلات الموت. والمنون، فما شئتم، ومضى القوم إلى الشام.
ابن الزبير يبني الكعبة على قواعد إبراهيم
وحمل إلى ابن الزبير من صنعاء الفسيفساء التي كان بناها أبرهة الحبشي في كنيسته التي اتخذها هنالك، ومعها ثلاث أساطين من رخام فيها وشي منقوش قد حشي السندروس وأنواع الألوان من الأصباغ، فمن رآه ظنه ذهبا، وشرع ابن الزبير في بناء الكعبة، وشهد عنده سبعون شيخا من قريش أن قريشا حين بنت الكعبة جزت نفقتهم فنقصوا من سعة البيت سبعة أذرع من أساس إبراهيم الخليل الذي أسسه هو وإسماعيل عليهما السلام، فبناه ابن الزبير وزاد فيه لأذرع المذكورة، وجعل فيه الفسيفساء والأساطين، وجعل له بابين: بابا يدخل منه، وبابا يخرج منه، فلم يزل البيت على ذلك حتى قتل الحجاج عبد الله بن الزبير، وكتب إلى عبد الملك بن مروان يعلمه بما زاده ابن الزبير في البيت، فأمره عبد الملك بهدمه، ورده إلى ما كان عليه آنفا من بناء قريش وعصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يجعل له بابا واحدا، ففعل الحجاج ذلك.
واستوثق الأمر لابن الزبير، وأخذت له البيعة بالشام، وخطب له على سائر منابر الإسلام، إلا منبر طبرية من بلاد الأردن، فإن حسان بن مالك ابن بجدل أبى أن يبايع لابن الزبير، وأرادها لخالد بن يزيد بن معاوية، وكان القيم بأمر بيعة ابن الزبير بمكة عبد الله بن مطيع العدوي، ففي ذلك يقول قضاعة الأسدي، وكان بايع لابن الزبير ثم نكث:
دعا ابن مطيع للبياع فجئته ... إلى بيعة قلبي لهاغيرالف
فناولني خشناء لمالمستها ... بكفي ليست من أكف الخلائف
عبيد الله بن زياد والخلافة
وهلك يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد، وعبيد الله بن زياد على البصرة أمير، فخطب الناس وأعلمهم بموتهما، وأن الأمر شورى لم ينصب له أحد، وقال: لا أرض اليوم أوسع من أرضكم، ولا عدد أكثر من عددكم، ولا مال أكثر من مالكم، في بيت مالكم مائة ألف ألف درهم، ومقاتلتكم ستون ألفا، وعطاؤهم وعطاء العيال ستون ألف ألف درهم، فانظروا رجلا ترضونه يقوم بأمركم، ويجاهد عدوكم، وينصف مظلومكم من ظالمكم، ويوزع بينكم أموالكم، فقام إليه أشراف أهلها - ومنهم الأحنف بن قيس التميمي، وقيس بن الهيثم السلمي، ومسمع بن مالك العبدي - فقالوا: ما نعلم ذلك الرجل غيرك أيها الأمير، وأنت أحق من قام على أمرنا حتى يجتمع الناس على خليفة، فقال: أما لو استعملتم غيري لسمعت وأطعت.
الكوفة لأبى الانقياد له
صفحه ۳۸۴