مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ففال المختار بن أبي عبيد الثقفي لابن الزبير: إني لأعرف قوما لو أن لهم رجلا له رفق وعلم بما يأتي لاستخرج لك منهم جندا تغلب بهم أهل الشام، فقال: من هم. قال: شيعة بني هاشم بالكوفة، قال: كن أنت ذلك الرجل، فبعثه إلى الكوفة، فنزل ناحية منها، وجعل يظهر البكاء على الطالبيين وشيعتهم، ويظهر الحنين والجزع لهم، ويحث على أخذ الثأر لهم، والمطالبة بدمائهم، فمالت الشيعة إليه، وانضافوا إلى جملته، وسار إلى قصرالإمارة فأخرج ابن مطيع منه، وغلب على الكوفة، وابتنى لنفسه دارا، واتخذ بستانا انفق عليه أموالا عظيمة أخرجها من بيت المال، وفرق الأموال على الناس بها تفرقة واسعة، وكتب إلى ابن الزبير يعلمه أنه إنما أخرج بن مطيع عن الكوفة لعجزه عن القيام بها، ويسوم ابن الزبيرأن يحسب له بما أنفقه من بيت المال، فأبى ابن الزبير ذلك عليه، فخلع المختار طاعته، وجحد بيعته، وكتب المختار كتابا إلى علي بن الحسين السجاد يريده على أن يبايع له، ويقول بإمامته، ويظهر دعوته، وأنفذ إليه مالا كثيرا، فأبى علي أن يقبل ذلك منه أو يجيبه عن كتابه، وسبه على رؤوس الملأ في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأظهر كذبه وفجوره، ودخوله على الناس بإظهار الميل إلى آل أبي طالب، فلما يئس المختار من علي بن الحسين كتب إلى عمه محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك، فأشار عليه علي بن الحسين أن لا يجيبه إلى شيء من ذلك، فإن الذي يحمله على ذلك اجتذابه لقلوب الناس بهم، وتقربه إليهم بمحبتهم، وباطنه مخالف لظاهره في الميل إليهم، والتولي لهم، والبراءة من أعدائهم، بل هو من أعدائهم لا من أوليائهم، والواجب عليه أن يشهر أمره، ويظهر كذبه، على حسب ما فعل هو وأظهر ما من القول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى ابن الحنفية ابن عباس فأخبره بذلك، فقال له ابن عباس: لا تفعل، فإنك لا تدري ما أنت عليه من ابن الزبير، فأطاع ابن عباس وسكت عن عيب المختار.
وأشتد أمر المختار بالكوفة، وكثر رجاله، ومال الناس إليه، وأقبل يدعو الناس على طبقاتهم ومقاديرهم في أنفسهم وعقولهم، فمنهم من يخاطبه بإمامة محمد ابن الحنفية، ومنهم من يدفعه عن هذا فيخاطبه بأن الملك يأتيه بالوحي ويخبره بالغيب، وتتبع قتلة الحسين فقتلهم: قتل عمرو بن سعد بن أبي وقاص الزهري، وهو الذي تولى حرب الحسين يوم كربلاء وقتله ومن معه، فزاد ميل أهل الكوفة إليه، ومحبتهم له.
حال ابن الزبير
وأظهر ابن الزبير الزهد في الدنيا والعبادة مع الحرص على الخلافة، وقال: إنما بطني شبر، فما عسى أن يسع ذلك من الدنيا، وأنا العائذ بالبيت، والمستجير بالرب، وكثرت أذيته لبنى هاشم مع شحه بالدنيا على سائر الناس، ففي ذلك يقول أبو وجزة مولى الزبير:
إن الموالي أمست وهي عاتبة ... على الخليفة تشكو الجوع والحربا
ماذا علينا وماذا كان يزؤنا ... أي الملوك على ما حولنا غلبا؟
وفيه لقول بعد مفارقته إياه:
ما زال في سورة الأعراف يقرؤها ... حتى فؤادي مثل الخز في اللين
لو كان بطنك شبرا قد شبعت، وقد ... أفضلت فضلا كثيرا للمساكين
إن آمرأ كنت مولاه فضيعني ... يرجو الفلاح لعمري حق مغبون
وفيه يقول أيضا:
فيا راكبا إما عرضت فبلغن ... كبيربني العوام إن قيل: من تعني
تخبر من لاقيت أنك عائذ ... وتكثر قتلا بين زمزم والركن
وفيه يقول أيضا الضحاك بن فيروز الديلمي:
تخبرنا أن سوف تكفيك قبضة ... وبطنك شبرأوأقل من الشبر
وأنت إذا ما نلت شيئا قضمته ... كماقضمت نارالغضى حطب السدر
فلو كنت تجزي إذ تبيت بنعمة ... قريبا لردتك العطوف على عمرو
ابن الزبير وأخوه عمرو
صفحه ۳۸۰