مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
يسير إلى معاوية بن حرب ... ليقتله، كذا زعم الأمير ويصلبه على بابي دمشق ... وتأكل من محاسنه النسور
تخيرت الخبائر بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير
ألا يا حجرحجربني عدي ... تلقتك السلامة والسرور
أخاف عليك ما أردى عليا ... وشيخا في دمشق له زئير
ألا يا ليت حجرا مات موتا ... ولم ينحركما نحر البعير
فإن تهلك فكل عميد قوم ... إلى هلك من الدنيا يصير
ولما صار إلى مرج عفراء على اثني عشر ميلا من دمشق تقدم البريد بأخبارهم إلى معاوية، فبعث برجل أعور، فلما أشرف على حجر وأصحابه قال رجل منهم: إن صدق الزجر فإنه سيقتل منا النصف وينجو الباقون، فقيل له: وكيف ذلك. قال: أما ترون الرجل المقبل مصابا بإحدى عينيه، فلما وصل إليهم قال لحجر: إن أمير المؤمنين قد أمرني بقتلك يا رأس الضلال ومعدن الكفر والطغيان والمتولي لأبي تراب وقتل أصحابك، إلا أن ترجعوا عن كفركم، وتلعنوا صاحبكم وتتبرؤوا منه، فقال حجر وجماعة ممن كان معه: إن الصبر على حد السيف لأيسر علينا مما تدعونا إليه، ثم القدوم على الله وعلى نبيه وعلى وصيه أحب إلينا من دخول النار، وأجاب نصف من كان معه إلى البراءة من علي، فلما قدم حجر ليقتل قال: دعوني أصلي ركعتين، فجعل يطول في صلاته، فقيل له: أجزعا من الموت؟ فقال: لا، ولكني ما تطهرت للصلاة قط إلا صليت، وما صليت قط أخف من هذه، وكيف لا أجزع، وإني لأرى قبرا محفورا، وسيفا مشهورا وكفنا منشورا، ثم تقدم فنحر، وألحق به من وافقه على قوله من أصحابه، وقيل: إن قتلهم كان في سنة خمسين.
عدي بن حاتم ومعاوية
وذكر أن عدي بن حاتم الطائي دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما فعلت الطرفات؟ يعني أولاك، قال: قتلوا مع علي، قال: ما أنصفك علي قتل أولادك وبقى أولاده، فقال عدي: ما أنصفت عليا إذ قتل وبقيت بعده، فقال معاوية: أما إنه قد بقيت قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلا دم شريف من أشراف اليمن، فقال عدي: والله إن قلوبنا التي أبغضناك بها لفي صدورنا، وإن أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن أدنيت إلينا من الغدر فترا لندنين إليك من الشر شبرا، وإن حز الحلقوم وحشرجة الحيزوم لأهون علينا من أن نسمع المساءة في علي، فسلم السيف يا معاوية لباعث السيف، هذه كلمات حكم فاكتبوها، وأقبل على عدي محدثا له كأنه ما خاطبه بشيء.
بين عمرو بن عثمان وأسامة عند معاوية
وذكر أن معاوية بن أبي سفيان تنازع إليه عمرو بن عثمان بن عفان وأسامة بن زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أرض، فقال عمرو؟ لأسامة: كأنك تنكرني، فقال أسامة: ما يسرني نسبك بولائي، فقام مروان بن الحكم فجلس إلى جانب عمرو بن عثمان، وقام الحسن فجلس إلى جانب أسامة، فقام سعيد بن العاص فجلس إلى جانب مروان، فقام الحسين فجلس إلى جانب الحسن، وقام عبد الله بن عامر فجلس إلى جانب سعيد، فقام عبد الله بن جعفر فجلس إلى جانب الحسين، وقام عبد الرحمن بن الحكم فجلس إلى جانب ابن عامر، فقام عبد الله بن العباس فجلس إلى جانب ابن جعفر، فلما رأى ذلك معاوية قال: لا تعجلوا، أنا كنت شاهدا إذا أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسامة، فقام الهاشميون فخرجوا ظاهرين، وأقبل الأمويون عليه فقالوا: ألا كنت أصلحت بيننا قال: دعوني فوالله ما ذكرت عيونهم تحت المغافر بصفين إلا لبس على عقلي، وإن الحرب أولها نجوى، وأوسطها شكوى، وآخرها بلوى، وتمثل بأبيات امرىء القيس المتقدمة في هذا الكتاب في أخبار عمر رضي الله عنه، وأولها:
الحرب أول ما تكون فتية ... تدنو بزينتها لكل جهول
ثم قال: ما في القلوب يشب الحروب، والأمر الكبير يدفعه الأمر الصغير، وتمثل:
قد يلحق الصغير بالجليل ... وإنما القرم من الأفيل
وتسحق النخل من الفسيل
إلحاق زياد بأبي سفيان
صفحه ۳۴۹