317

مروج الذهب ومعادن الجوهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وفي سنة ثمان وثلاثين وجه معاوية عمرو بن العاص إلى مصر في أربعة آلاف، ومعه معاوية بن خديج، وأبو الأعور السلمي، واستعمل عمرا عليها حياته، ووفى له بما تقدم من ضمانه، فالتقواهم ومحمد بن أبي بكر - وكان عامل علي عليها - بالموضع المعروف بالمسناة، فاقتتلوا، فانهزم محمد لإسلام أصحابه إياه وتركهم له، وصار إلى موضع بمصر، فاختفى فيه، فاحيط بالدار، فخرج إليهم محمد ومن معه من أصحابه، فقاتلهم حتى قتل، فأخذه معاوية بن خديج وعمرو بن العاص وغيرهما، فجعلوه في جلد حمار وأضرموه بالنار، وذلك بموضع في مصر، يقال له: كوم شريك، وقيل: إنه فعل به ذلك، وبه شيء من الحياة، وبلغ معاوية قتل محمد وأصحابه، فأظهر الفرح والسرور. وبلغ عليا قتل محمد وسرور معاوية، فقال: جزعنا عليه على قدر سرورهم، فما جزعت على هالك منذ دخلت هذه الحروب جزعي عليه، كان لي ربيبا، وكنت أعده ولدا، وكان بي برا، وكان ابن أخي، فعلى مثل هذا نحزن، وعند الله نحتسبه.

ولاية الأشتر ومقتله بالعريش مسموما:

وولى علي الأشتر مصر وأنفذه إليها فيجيش، فلما بلغ ذلك معاوية دس إلى دهقان كان بالعريش، فأرغبه، وقال: أترك خراجك عشرين سنة، واحتل للأشتر بالسم في طع أمه ، فلما نزل الأشتر العريش سأل الدهقان: أي الطعام والشراب أحب إليه؟ فقيل له: العسل، فأهدى له عسلا، وقال: إن من أمره وشأنه كذا وكذا، ووصفه للأشتر، وكان الأشتر صائمأ، فتناول منه شربة، فما استقرت في جوفه حتى تلف، وأتى من كان معه على الدهقان ومن كان معه، وقيل: كان ذلك بالقلزم، والأول أثبت، فبلغ ذلك عليا، فقال: لليدين والفم، وبلغ ذلك معاوية، فقال: إن الله جندا من العسل.

وقبض أصحابه عن علي في هذه السنة ثلاثة أرزاق على حسب ما كان يحمل إليه من المال من أعماله، ثم ورد عليه مال من أصبهان، فخطب الناس، وقال: اغدوا إلى عطاء رابع، فوالله ما أنا لكم بخازن، وكان في عطائه أسوة للناس يأخذ كما يأخذ الواحد منهم.

ولم يكن بين علي ومعاوية من الحرب إلا ما وصفنا بصفين، وكان معاوية في بقية أيام علي يبعث سرايا تغير، وكذلك علي كان يبعث من يمنع سرايا معاوية من أذية الناس، وقد أتينا على ذكر السرايا والغارات فيما سلف من كتبنا.

فرق المعاملة بين الجمل وصفين وسره

قال المسعودي رحمه الله: وقد تكلم طوائف من الناس ممن سلف وخلف من أهل الآراء من الخوارج وغيرهم في فعل علي يوم الجمل، وصفين، وتباين حكمه فيهما، من قتله من أهل صفين، مقبلين ومدبرين، وإجهازه على جرحاهم، ويوم الجمل لم يتبع موليا، ولا أجهز على جريح، ومن ألقى سلاحه أو دخل داره كان آمنا، وما أجابهم به شيعة علي في تبان حكم علي في هذين اليومين لاختلاف حكمهما، وهو أن أصحاب الجمل لما انكشفوا لم يكن لهم فئة يرجعون إليها، وإنما رجع القوم إلى منازلهم، غير محاربين ولا منابذين، ولا لأمره مخالفين، فرضوا الكف عنهم، وكان الحكم فيما رفع السيف إذ لم يطلبوا عليه أعوانا، وأهل صفين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدة، وإمام منتصب، يجمع لهم السلاح، ويسني لهم الأعطية، وقسم لهم الأموال، ويجبر كسيرهم، ويحمل راجلهم، ويردهم، فيرجعون إلى الحرب، وهم إلى إمامته منقادون، ولرأيه متبعون، ولغيره مخالفون، ولإمامته تاركون، ولحقه جاحدون، وبأنه يطلب ما ليس له قائلون، فاختلف الحكم لما وصفنا، وتباين حكماهما لما ذكرنا، ولكل فريق من السائل والمجيب كلام يطول ذكره ويتسع شرحه، وقد أتينا على استيعابه، وما ذكره كل فريق منهم فيما سلف من كتبنا، فأغنى ذلك عن إعادته، والله أعلم.

ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه

المؤامرة

صفحه ۳۳۹