مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
كان أبو موسى الأشعر يحدث قبل وقعة صفين ويقول: إن الفتن لم تزل في بني إسرائيل ترفعهم وتخفضهم حتى بعثوا الحكمين يحكمان بحكم لا يرضى به من اتبعهما وإن هذه الأمة لا تزال بها الفتن ترفعها وتخفضها حتى يبعثوا حكمين يحكمان بما لا يرضى به من اتبعهما، فقال له سويد بن غفلة: إياك - إن أدركت ذلك الزمان أن تكون أحد الحكمين، قال: أنا؟ قال: نعم أنت، قال: فكان يخلع قميصه ويقول : لا جعل الله لي إذا في السماء مصعدا، ولا في الأرض مقعدا، فلقيه سويد بن غفلة بعد ذلك فقال: يا أبا موسى، أتذكر مقالتك؟ قال: سل ربك العافية.
شروط الحكم وموعد الاجتماع
وكان فيما كتب في الصحيفة أن يحيى الحكمان ما أحيا القران ويمتا ما أمات القرآن، ولا يتبعان الهوى، ولا يداهنان في شيء من ذلك فإن فعلا فلا حكم لهما، والمسلمون من حكمهما براء، وقال علي للحكمين حين أكره على أمرهما ورد الأشتر وكان قد أشرف في ذلك اليوم على الفتح فأخبره مخبر بما قالوا في علي وأنه إن لم يرده سلم إلى معاوية يفعل بهما فعل بابن عفان، فانصرف الأشتر خوفا على علي فقال لهما علي: على أن تحكما بما في كتاب الله، وكتاب الله كله لي، فإن لم تحكما بما في كتاب فلا حكم لكما، وصيروا الأجل إلى شهر رمضان على اجتماع الحكمين في موضع بين الكوفة والشام، وكان الوقت الذي كتبت فيه الصحيفة لأيام بقين من صفر سنة سبع وثلاثين، وقيل: بعد أهذا الشهر منها، ومر الأشعث بالصحيفة يقرؤها على الناس فرحا مسرورا، حتم انتهى إلى مجلس لبني تميم، فيه جماعة من زعمائهم، منهم عروة بن أدية تميم، وهو أخو بلال الخارجي، فقرأها عليهم، فجرى بين الأشعث وبين أناس منهم خطب طويل، وإن الأشعث كان بدء هذا الأمر والمانع لهم من قتال عدوهم حتى يفيئوا إلا إلى أمر الله، وقال له عروة بن أدية: أتحكمون في دين الله وأمره ونهيه الرجال؟ لا حكم إلا لله، فكان أول من قالها وحكم بها، وقد تنوزع في ذلك، وشد بسيفه على الأشعث فضم فرسه عن الضربة فوقعت في عجز الفرس ونجا الأشعث، وكادت العصبية أن تقع بين النزارية واليمانية، لولا اختلاف كلمتهم في الديانة والتحكيم.
وفي فعل عروة بن أدية بالأشعث يقول رجل من بني تميم في أبيات:
عرو يا عرو كل فتنة قوم ... سلفت إنما تكون فتيه
ثم تنمي ويعظم الخطب فيها ... فاحذرن غب ما أتيت عريه
أعلى الأشعث المعصب بالتا ... ج حملت السلاح يا ابن أديه؟
إنها فتنة كفتنة ذي العج ... ل، أيا عروة العصا والعصيه
فانظر اليوم ما يقول علي ... واتبعه، فذاك خير البرية
عدة قتلى صفين
وقد تنوزع في مقدار من قتل من أهل الشام والعراق بصفين: فذكر أحمد بن الدورقي عن يحيى بن معين أن عدة من قتل بها من الفريقين في مائة يوم وعشرة أيام مائة ألف وعشرة آلاف من الناس: من أهل الشام تسعون ألفا، ومن أهل العراق عشرون ألفا، ونحن نذهب إلى أن عدد من حضر الحرب من أهل الشام بصفين أكثر مما قيل في هذا الباب، وهو خمسون ومائة ألف مقاتل، سوى الخدم والأتباع، وعلى هذا يجب أن يكون مقدار القوم جميعا من قاتل منهم ومن لم يقاتل من الخدم وغيرهم ثلثمائة ألف، بل أكثر من ذلك، لأن أقل من فيهم معه واحد يخدمه، وفيهم من معه الخمسة والعشرة من الخدم والأتباع وأكثر من ذلك، وأهل العراق كانوا في عشرين ومائة ألف مقاتل دون الأتباع والخدم.
صفحه ۳۳۱