مرشد واجز
المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز
ویرایشگر
طيار آلتي قولاج
ناشر
دار صادر
محل انتشار
بيروت
ـ[المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز]ـ
المؤلف: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى: ٦٦٥هـ)
المحقق: طيار آلتي قولاج
الناشر: دار صادر - بيروت
سنة النشر: ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]
(تنبيه): الكتاب مرتبط بنسخة مصورة موافقه لترقيمه (ط دار صادر)، وأخرى مخالفة (ط دار الكتب العلمية)
صفحه نامشخص
مقدمة التحقيق
إن الوقوف على معنى قول رسول الله ﷺ "أنزل القرآن على سبعة أحرف " قد شغل علماء المسلمين كثيرا ونتجت عنه آراء مختلفة، ولا سيما في القرنين الثالث والرابع الهجري.
ذكر ابن حبان (- ٣٥٤ / ٩٦٥) فيما نقله عنه القرطبي (-٦٧١/١٢٧٣) في تفسيره (١) خمسة وثلاثين رأيا مختلفا، ومع أن هذه الآراء يتميز أكثرها عن غيره بفروق ضئيلة فإنها مهمة من جهة أنها تظهر درجة اهتمام العلماء بالحديث المذكور وأهمية موضوعه حتى أواسط العصر الرابع الهجري.
وقد انكب شراح غريب الحديث والمفسرون وكثير من العلماء وخاصة المشتغلون بعلم القراآت على هذا الحديث، وسبب عنايتهم بدراسة هذا الموضوع أن له علاقة كبيرة بمسائل تتصل بصحة نقل متن القرآن الكريم عن الرسول ﷺ إلى الأصحاب، ثم عنهم إلى من بعدهم من الأجيال.
ومن المؤلفين الذين عنوا بهذا الحديث مثلا: أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (-٤٢٢ / ٨٣٩) (٢) وأبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (-٢٧٦/ ٨٨٩) (٣) وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري (- ٣١٠ / ٩٢٢) (٤) ومكي بن
(١) انظر: تفسير القرطبي ١ / ٤٢ - ٤٦
(٢) انظر: غريب الحديث ٣/ ١٦٢- ١٦٩.
(٣) انظر: تأويل مشكل القرآن ص ٢٦- ٣٥.
(٤) انظر: تفسير الطبري ٢١/١- ٧٢.
المقدمة / 7
أبي طالب "٤٣٧/ ١٠٤٥" (١) .
والظاهر أن لطعن أعداء الإسلام في القرآن وبالأخص فيما يتعلق بالحديث المذكور أثرًا كبيرًا في اهتمام علماء المسلمين به.
ولم تقف العناية بإظهار الرأي وإيضاح المعنى الذي يشير إليه الحديث عند العصور الأولى للإسلام، بل تجاوزها إلى ما بعدها، وفتح الطريق لتأليف كتب ورسائل خاصة في هذا الموضوع.
و"كتاب المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز" الذي أقدم الآن نصه، وهو من تصنيف شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي المعروف بأبي شامة "٥٩٩-٦٦٥هـ/ ١٢٠٣-١٢٦٧م" من أجمع الكتب المؤلفة في هذا الصدد.
وإن المؤلف مهما ذكر في كتابه من أبواب ومباحث تتصل بالموضوع فإن شرح الحديث المذكور وإثبات علاقته بالقراءات المشهورة هو الغاية الأولى من تأليفه لهذا الكتاب كما بينه المؤلف نفسه (٢) .
وتوثيقي لـ"كتاب المرشد الوجيز ... " الذي يأتي الحديث عنه وعن محتوياته (٣) أستند فيه إلى ثلاث نسخ مخطوطة: الأولى منها محفوظة في مكتبة لا له لي "إستانبول" تحت رقم ٣٦٢٥.
والثانية توجد في مكتبة شهيد علي باشا "إستانبول" تحت رقم ٢٧٥١.
والثالثة تحتفظ بها مكتبة آياصوفيا "إستانبول" تحت رقم ٥٩.
وبلغني أن لهذا الكتاب نسختين أخريين، ذكر إحداهما خير الدين
(١) انظر: الإبانة عن معاني القراءات.
(٢) انظر: المرشد الوجيز ص٧٣.
(٣) انظر: المقدمة التركية ص٣٧-٤٠.
المقدمة / 8
الزركلي وقال إنها في المكتبة البديرية بالقدس (١) . والثانية محفوظة في مكتبة إسكوريال "Escurial" بإسبانيا تحت رقم ١٤٣١ على ما أشار إليه بروكلمان (٢) . ولم أتمكن من رؤية هاتين النسختين حتى الآن على الرغم من محاولاتي الحصول عليهما.
والطريق الذي اتبعته لتوثيق هذا المتن هو طريق التلفيق. فبدل أن أتخذ إحدى النسخ الثلاث المذكورة أساسا. اخترت أن أثبت في المتن الأصح منها أين ما كان.
واختلافات النسخ التي لا تأثير لها في تغيير المعنى، اعتمدت فيها غالبا على نسخة لا له لي ولم أشر إليها وفي قسم "الفروق بين النسخ ... " وأرقام الأوراق التي في صلب المتن هي أرقام هذه النسخة، وبهذا المعنى يمكن أن يقال عن نسخة لا له لي: إنها نسخة أصلية.
وحينما ينقل المؤلف عن مصدر، ويكون في النص خطأ يمكن اعتباره من عمل الناسخين، رجعت النص كما ورد في مصدره الأصلي أحيانا.
وقد اتفق في مواضع معدودة أنني صححت المتن حسب السباق والسياق من غير أن أعول على رواية النسخ، وبالطبع أشرت في قسم "الفروق بين النسخ ... " إلى كل تصرف أجريته في المتن.
ولكثرة تصحيفات ناسخ نسخة آيا صوفيا، فإنه إذا اتفقت نسختا لا له لي وشهيد علي باشا "ل ش" وخالفتهما نخسة آيا صوفيا "ف"، فإذا رجحت ل ش، فإني حينذاك لا أشير إلى مخالفة "ف" في "الفروق بين النسخ ... ".
وبالنسبة لآيات القرآن فإني أثبتها حسب ورودها في المصحف ولم ألتفت إلى ما قد يخالفه في روايات النسخ، إلا إذا كانت روايات النسخ كلها أو إحداها تشير إلى قراءة خاصة، فإني أثبت الآية على مذهب القارئ.
(١) الأعلام ٤/ ٧٠.
(٢) بروكلمان ٥٥٢GAL Sl.
المقدمة / 9
وأشرت مع ذلك إلى رقم الآيات في سورها وضبط الآيات بالحركات.
ووقفت بصورة خاصة في تعليقاتي على القراءات المتعلقة بهذه الآيات التي ذكرها المؤلف أمثلة لإيضاح مسألة في القراءة، فعنيت باختلافاتها ونسبتها إلى أصحابها وأشرت إلى المصادر اللازمة لذلك.
وما نقله المؤلف من حديث أو رأي أو روايات مقتبسا لها من مصادر أخرى -إذا استثنينا ما لم نقف عليه، مثل "فضائل القرآن" لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي "٢٢٤/ ٨٣٩" الذي لا توجد نسخة منه في مكاتب تركيا (١)، ومثل "كتاب المدخل" للبيهقي "٤٥٨/ ١٠٦٦" الذي لا نعرف هل هو موجود أو فقد- رجعت إليها في مواضعها الأصلية وأشرت إلى مواضع النص في مجلداتها وصحائفها، وخاصة عند تخريج الأحاديث فقد حاولت أن أشير إلى مصادر أخرى لها، علاوة على ما أشار إليه المؤلف من المصادر.
وكتبت تراجم لأسماء الأشخاص المذكورين في المتن "مثل صحابي، ومفسر ومحدث ومقرئ ... " قصيرة عند أول موضع ذكروا فيه، وحاولت أن أذكر عن كل شخص منهم ما يلزم ذكره، إلا أن هناك أشخاصا لم أتأكد من تعيين شخصيتهم.
وهذه لائحة بالرموز المستعملة في حواشي الكتاب وفي قسم "الفروق ... " منه:
ل: نسخة لا له لي.
ش: نسخة شهيد علي باشا.
ف: نسخة آيا صوفيا.
(١) انظر: بروكمان GAL Gl ١٠٧ Sl ١٦٦.
المقدمة / 10
ص: صحيفة.
و: وجه "الوجه الأول للورقة".
ظ: ظهر "الوجه الثاني للورقة".
ج: مجلد، جزء.
أما المقدمة (١) التي كتبتها لهذا الكتاب فهي عبارة عن قسمين:
الأول في حياة المؤلف وشخصيته ومؤلفاته.
والثاني في وصف وتحليل "كتاب المرشد الوجيز...." "وهو هذا".
وقد استفدت في أثناء البحث عن حياة المؤلف إلى جانب مصادر أخرى التي تعرضت لحياته من كتابه "الذيل على الروضتين"، وقد أشرت إلى ذلك في موضعه (٢) . والإشارات المتفرقة التي تتصل بحياة المؤلف في كتاب "الذيل على الروضتين" كانت مصدري الوحيد لإيضاح أمور كثيرة، وخاصة في معرفة بعض مؤلفاته.
وفي الختام أريد أن أشير هنا إلى أنني مدين بالشكر لأستاذي المحترم محمد بن تاويت الطنجي الذي أدين له بأشياء كثيرة جدًّا. فقد كان مرجعي في حل مشكلات اعترضتني عامة وفي توثيق المتن خاصة، ومدين بالشكر أيضا لأستاذي المحترم الدكتور محمد نهاد جتين الذي راجعته كثيرًا واستفدت من تجاربه ومنهجه في البحث.
وقد اجتهدت بقدر الاستطاعة في أن أكون قد وفقت، فإن أخطأت فإن لي أجر الاجتهاد، والتوفيق من الله وحده ...
طيار آلتي قولاج
(١) كتبت هذه المقدمة باللغة التركية.
(٢) انظر: المقدمة التركية ".
المقدمة / 11
مقدمة المؤلف:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله الواحد الوتر الرحيم البر، عالم الغيب والشهادة والسر والجهر، مصعد الكلم الطيب ومنزل القطر الذي يسر القرآن للذكر وأنزله في ليلة القدر.
أحمده وهو أهل الحمد والشكر على ما يساء وسر، وبيده النفع والضر، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (١)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المؤمل لحط الوزر ورفع الإصر وإسبال الستر وإلهام الصبر، شهادة مرغمة لأهل الشرك والكفر، سارة لأهل التقوى المأمورين بالصلاة والصيام والحج والنحر.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (٢) المبعوث من خير العرب، وهم قريش أولاد لؤي بن غالب بن فهر، المرسل لإظهار الإيمان بمعجزة القرآن ممن وفق لقبولها ومن المعاندين بالقسر والقهر.
صلى الله عليه وعلى جميع النبيين والملائكة المقربين الأكرمين كما شرفهم بالعصمة والطهر، وفضلهم على ساكني البر والبحر، وعلى آله وصحبه الأبرار أولي الحجا والحجر، والبشارة والبشر، والحل والعقد
(١) الأعراف: ٥٤.
(٢) مسلم ٧/ ٥٩، أبو داود ٤/ ٣٠٢، الترمذي، ابن ماجه ٢/ ١٤٤٠.
1 / 5
والطي والنشر، من أهل الهجرة والإنفاق والإيواء والنصر، المجاهدين بالأنفس والأموال الموفين بالنذر، وعلى تابعيهم بإحسان، وعلى جميع أهل الولاية والطاعة والبر، وعفا عن أهل التقصير الذين هم [٢ و] لأولئك اللباب كالقشر، وسلم عليهم أجمعين أبد الدهر، ما طلع الفجر، وأشرقت الشمس ونور البدر.
أما بعد: فهذا تصنيف جليل يحتاج إليه أهل القرآن، خصوصا من يعتني بعلم القراءات السبع ولا يعرف معنى هذه التسمية ولا ماذا نحاه الرسول ﷺ بقوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" (١) ولا يدري ما كان الأمر عليه في قراءة القرآن وكتابته في حياة النبي ﷺ إلى أن جمع بعده في خلافة أبي بكر (٢)، ثم جمع في خلافة عثمان (٣) ﵄، ولا يهتدي إلى ما فعله كل واحد منهما، وما الفرق بين جمعيهما، وما الضابط الفارق بين القراءات الشواذ وغيرها.
وأرجو أن يكون هذا التصنيف مشتملا على ذلك كله، قيما ببيانه مع فوائد أخر تتصل به، وبالله التوفيق.
وقد حصل مقصود هذا الكتاب في ستة أبواب:
(١) انظر روايات هذا الحديث وتخريجها في ص٧٧-٩٥.
(٢) هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب التميمي القرشي، أبو بكر الصديق بن أبي قحافة، أول الخلفاء الراشدين، توفي سنة ١٣هـ "الطبقات الكبرى ٣/ ١٦٩، غاية النهاية ١/ ٤٣١، الإصابة ٢/ ٣٤١، تاريخ الخلفاء ص١١".
(٣) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، أبو عمرو القرشي الأموي، ثالث الخلفاء الراشدين، استشهد سنة ٣٥هـ "الطبقات الكبرى ٣/ ٥٣، تذكرة الحفاظ ١/ ٨، غاية النهاية ١/ ٥٠٧، الإصابة ٢/ ٤٦٢، تاريخ الخلفاء ص٥٧".
1 / 6
الباب الأول في البيان عن كيفية نزول القرآن وتلاوته وذكر حفاظه في ذلك الأوان.
الباب الثاني في جميع الصحابة ﵃ القرآن وإيضاح ما فعله أبو بكر وعمر (١) وعثمان ﵃.
الباب الثالث في معنى قول النبي ﷺ: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، وشرح ذلك من كلام كل مصنف منصف.
الباب الرابع في معنى [٢ ظ] القراءات السبع المشهورة الآن وتعريف الأمر في ذلك كيف كان.
الباب الخامس في الفصل بين القراءة الصحيحة القوية والشاذة الضعيفة المروية.
الباب السادس في الإقبال على ما ينفع من علوم القرآن والعمل بها، وترك التعمق في تلاوة ألفاظه والغلو بسببها.
وسميته:
"المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز".
وهي معرفة كيفية نزول القرآن وجمعه وتلاوته، ومعنى الأحرف السبعة التي نزل عليها، والمراد بالقراءات السبع وضابط ما قوي منها، وبيان ما انضم إليها، والتعريف بحق تلاوته وحسن معاملته، والله الموفق.
(١) هو عمر بن الخطاب بن نفيل، أبو حفص القرشي العدوي، ثاني الخلفاء الراشدين، توفي شهيدًا سنة ٢٣هـ "الطبقات الكبرى ٣/ ٢٦٥، غاية النهاية ١/ ٥٩١، الإصابة ٢/ ٥١٨، تاريخ الخلفاء ص٤٢".
1 / 7
الباب الأول: في البيان عن كيفية نزول القرآن وتلاوته وذكر حفاظه في ذلك الأوان
قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٢)، وقال جلت قدرته: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٣)، فليلة القدر هي الليلة المباركة وهي في شهر رمضان جمعا بين هؤلاء الآيات؛ إذ لا منافاة بينها، فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ليلة القدر في شهر رمضان، وأمر النبي ﷺ بالتماسها في العشر الأخير منه (٤)، ولا ليلة أبرك من ليلة، هي خير من ألف شهر. فتعين حمل قوله سبحانه: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ على ليلة القدر. كيف، وقد أرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٥)، فهو موافق لمعنى تسميتها بليلة القدر؛ لأن معناه التقدير، فإذا ثبت هذا، علمت أنه قد أبعد من قال: الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان، وأن قوله تعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن﴾ (٦) معناه:
(١) البقرة: ١٨٥.
(٢) الدخان: ٣.
(٣) القدر: ١
(٤) انظر: صحيح البخاري ٢/ ٢٥٤، وسنن أبي داود ٢/ ٧٠-٧٢.
(٥) الدخان: ٤.
(٦) البقرة: ١٨٥.
1 / 9