مرح در شوخی

المراح في المزاح

ویرایشگر

بسام عبد الوهاب الجابي

ناشر

دار ابن حزم

ویراست

الأولى

سال انتشار

١٤١٨هـ ١٩٧٧م

محل انتشار

بيروت

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم المراح فِي المزاح الْحَمد لله على جميل أفضاله، وجزيل بره ونواله، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على أشرف الْخلق سيدنَا مُحَمَّد وَصَحبه وَآله. وَبعد فقد سُئِلت قَدِيما عَن المزاح، وَمَا يكره مِنْهُ وَمَا يُبَاح، فأجبت بِأَنَّهُ مَنْدُوب إِلَيْهِ بَين الإخوان، والأصدقاء والخلان. لما فِيهِ من ترويح الْقُلُوب، والاستئناس الْمَطْلُوب، بِشَرْط أَن لَا يكون فِيهِ قذف وَلَا غيبَة، وَلَا يُحَرك الحقود الكمينة ثمَّ طلب مني بعد مُدَّة السَّائِل، بسط الْكَلَام فِي ذَلِك وإيضاح الدَّلَائِل، فَقلت مستعينا بِاللَّه ومتوكلا عَلَيْهِ، ومفوضا جَمِيع أموري إِلَيْهِ:

1 / 35

قد ورد فِي ذمّ المزاح ومدحه أَخْبَار، فحملنا مَا ورد فِي ذمه على مَا إِذا وصل إِلَى حد المثابرة والاكثار. فَإِنَّهُ إزاحة عَن الْحُقُوق، ومخرج إِلَى القطيعة والعقوق. يصم المازح، ويضيم الممازح. فوصمة المازح أَن يذهب عَنهُ الهيبة والبهاء، ويجريء عَلَيْهِ الغوغاء والسفهاء، وَيُورث الغل فِي قُلُوب الأكابر والبنهاء. وَأما إضامة الممازح فَلِأَنَّهُ إِذا قوبل بِفعل ممض وَقَول مستكره وَسكت عَلَيْهِ أَحْزَن قلبه وأشغل فكره، أَو قَابل عَلَيْهِ جَانب مَعَ صَاحبه حشمة وأدبا، وَرُبمَا كَانَ للعداوة والتباغض سَببا، فَإِن الشَّرّ، إِذا فتح لَا يستد، وَسَهْم الْأَذَى إِذا أرسل لَا يرْتَد. وَقد يعرض الْعرض للهتك، والدماء للسفك. فَحق الْعَاقِل يتقيه، وينزه نَفسه عَن وصمة مساويه. وعَلى ذَلِك يحمل مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: المزَاحُ استِدرَاجٌ مِنَ الشَّيطَانِ وَاختِدَاعٌ مِنَ الهوَى وَقَوله ﷺ: لاَ تُمَارِ أَخَاكَ وَلاَ تُمَازِحهُ

1 / 36

وَلاَ تَعِدهُ مَوعِدًا فَتُخِلفُهُ. وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: اتَّقوا المزاح فَإِنَّهَا حمقة تورث ضغينة. وَقَالَ: إِنَّمَا المزاح سباب إِلَّا أَن صَاحبه يضْحك وَقيل: إِنَّمَا سمي مزاحا لِأَنَّهُ مزيح عَن الْحق. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: المزاح من سخف أَو بطر. وَقيل فِي منثور الحكم: المزاح يَأْكُل الهيبة كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب. وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: من كثر مزاحه زَالَت هيبته، وَمن كثر خِلَافه طابت غيبته.

1 / 37

وَقَالَ بعض البلغاء: من قل عقله. كثر هزله. وَذكر خَالِد بن صَفْوَان المزاح فَقَالَ: يصك أحدكُم صَاحبه بأشد من الجندل، وينشقه أحرق من الْخَرْدَل، ويفرغ عَلَيْهِ أحر من الْمرجل، ثمَّ يَقُول: إِنَّمَا كنت أمازحك. وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: خير المزاح لَا ينَال، وشره لَا يُقَال، فنظمه السابوري فِي قصيدته الجامعة للآداب فَقَالَ وَزَاد: شرُّ مُزاح المرءِ لَا يقاُل ... وخيرُه يَا صاحِ لَا ينُاُل وَقد يُقال كَثْرَة المزاحِ ... من الْفَتى تَدْعُو إِلى التَّلاحي إِن المزاحَ بدؤه حلاوه ... لكنّما آخرُه عَداوَه يَحقِد مِنْهُ الرجلُ الشريفُ ... ويجتري بسُخفه السَّخيفُ وَفِي معنى هَذِه الْجُمْلَة الْأَخِيرَة قَول شيخ

1 / 38

الْإِسْلَام الْوَالِد فِي منظومته فِي التصوف: وَلَا تمازحِ الشريفَ يحقِد ... وَلَا الدنّي يجتري وَيفْسد وَمَا أحسن مَا قَالَ أَبُو نواس: مُت بدآء الصمت خيرٌ ... لَك من دآءِ الْكَلَام إِنما السَّالم من أَل ... جم فَاه بلجام رُبمَا يستفتح المز ... حُ مغاليق الْحمام والمنايا آكلاتٌ ... شارباتٌ للأَنام وحملنا مَا ورد فِي مدح المزح على مَا سلم مِمَّا ذكر، فَإِنَّهُ قل مَا يعرى من المزاح من كَانَ سهلا، فالعاقل يتوخى بمزحه إِحْدَى حالتين: إِمَّا إيناس المصاحبين، والتودد إِلَى المخاطبين، وَهَذَا يكون بِمَا أنس من جميل القَوْل، وَبسط من مستحسن الْفِعْل كَمَا قَالَ سعيد بن الْعَاصِ لِابْنِهِ: اقتصد فِي مزحك فَإِن الإفراط فِيهِ يذهب الْبَهَاء، ويجرئ السُّفَهَاء، وَإِن التَّقْصِير فِيهِ يغض عَنْك المؤانسين، ويوحش مِنْك المصاحبين.

1 / 39

وَإِمَّا أَن يَنْفِي بالمزاح مَا طَرَأَ عَلَيْهِ من سأم، أَو حدث من سأم، أَو حدث بِهِ من هم وغم. فقد قيل: لابد للمصدور أَن ينفث وَأنْشد أَبُو نواس: أُروّح الْقلب بِبَعْض الهزلِ ... تجاهلًا منّي بِغَيْر جهلِ أَمزح فِيهِ مزحَ أَهل الفَضل ... والمزحُ أَحيانًا جِلاء العقلِ وَأنْشد أَبُو الْفَتْح البستي أفِد طبعَك المكدودَ بالجِدّ رَاحَة ... يَجِمَّ وَعلله بِشَيْء من المزحِ وَلَكِن إِذا أَعطيتَه المزح فَلْيَكُن ... بِمِقْدَار مَا تُعْطِي الطَّعامَ من الملحِ قَالَ الابيرد: إِذا جدّ عِنْد الجِد أَرضاك جدُّه ... وَذُو باطلٍ إِن شِئْت أَلهاك باطله

1 / 40

وَقَالَ أَبُو تَمام: الجِدُّ شيمتُه وَفِيه فكاهةٌ ... طورًا وَلَا جِدُّ لمن لم يلْعَب وعَلى هَاتين الْحَالَتَيْنِ كَانَ مزح رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه وتابعيه وَالْعُلَمَاء وَالْأَئِمَّة. روى بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ أَنه ﷺ قَالَ: إِنّي لأَمزَحُ وَلاَ أَقُولُ إِلاَّ الحَقّ. وَفِي روايةٍ إِلاَّ حَقًّا. وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُول الله إِنَّك تداعبنا قَالَ: إِنّي لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّا. وَقد سُئِلَ سُفْيَان: المزاحُ هُجنَة؟ فَقَالَ: بل سنة لقَوْله ﵇ إِنِّي لأمزح وَلَا أَقُول إِلَّا الْحق

1 / 41

وَقَالَ أنس بن مَالك: كَانَ رَسُول الله ﷺ من أفكه النَّاس. وَقَالَ ﷺ: رَوّحِوُا القُلُوبَ ساعَةً بَعدَ ساعَةٍ. وَمن مزاحه ﷺ مَا رَوَاهُ أنس قَالَ: إِن كَانَ رَسُول الله ﷺ ليخالطنا حَتَّى يَقُول لأخ لي صَغِير: يَا أَبَا عُمَيْر مَا فعل النغير؟ كَانَ لَهُ نغير يلْعَب بِهِ فَمَاتَ. وَمَا رَوَاهُ الْحسن قَالَ: أَتَت عَجُوز من

1 / 42

الْأَنْصَار إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله ادْع لي بالمغفرة فَقَالَ لَهَا: أَمَا عَلِمتِ أَنَّ الجَنَّةَ لاَ يَدخلُهُاَ العَجَاَئِزُ وَفِي روايةٍ العجوزَ وَفِي رِوَايَة لاَ تَدخُلُ الجَنَّةَ عَجُوزٌ فَبَكَتْ وَفِي رِوَايَة فصرخت فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ لَهَا: لَستِ يَومَئذٍ يِعَجُوزٍ أَمَا قَرَأتِ قَولَهُ تَعَالَى: (إِنَّا أَنشَأنَاهُنَّ إِنشَاءَ فَجَعَلنَاهُنَّ أَبكاَرًا عُرُبًا أَتَرابًا) . وروى زيد بن أسلم أَن امْرَأَة يُقَال لَهَا أم أَيمن جَاءَت النَّبِي ﷺ فِي حَاجَة لزَوجهَا فَقَالَ لَهَا: مَن زَوجُكِ؟ فَقَالَت فلَان فَقَالَ: الذِي فِي عَينِهِ بَيَاضٌ؟ فَقَالَت أَي رسولَ اُلله مَا بِعَيْنِه بَيَاض قَالَ: بلَى إِنَّ بِعَينِه بَيَاضًا فَقَالَت: لَا واللهِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ: وَمَا مِن أَحَدٍ إِلاَّ بِعَينِهِ بَياَضٌ وَفِي رِوَايَة فَانْصَرَفت عَجلى إِلى زَوجهَا وَجعلت تتأَمّل عَيْنَيْهِ فَقَالَ لَهَا: مَا شأنكِ؟ فَقَالَت: أَخبرني

1 / 43

رسولُ الله ﷺ أَن فِي عَيْنَيْك بَيَاضًا فَقَالَ لَهَا: أَما تَرين بياضَ عَيْني أَكثَر من سوادها؟ . وجآءته امْرَأَة أُخْرَى فَقَالَت: يَا رَسُول الله احملني على بعير فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: احمِلُوهَا عَلَى ابنِ البَعِير فَقَالَت: مَا أَصنع بِهِ؟ مَا يحملني فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: وهَلِ مِن بِعَيرٍ إِلاَّ اُبنُ بَعِيرٍ؟ فَكَانَ يمزح مَعهَا. وَعَن أنس أَن رجلا استحمل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِنّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ فَقَالَ: مَا أَصنع بِولد الناقةِ؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: وهَل تَلِدُ الأبِلَ إِلاَّ النُّوقُ؟ . وَعَن جَابر قَالَ: دخلت على النَّبِي ﷺ

1 / 44