289

مختصر منهاج القاصدين

مختصر منهاج القاصدين

ویرایشگر

شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط

ناشر

مكتبة دار البيان

سال انتشار

۱۳۹۸ ه.ق

محل انتشار

دمشق

ژانرها

عرفان
ودخل ابن السماك على الرشيد في عظة. فبكى ثم دعا بماء في قدح فقال: يا أمبر المؤمنين، لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفديها بها، قال: نعم، قال فاشرب ريًا، بارك الله فيك. فلما شرب، قال له: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو منعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفتدى ذلك؟ قال: نعم قال فما تصنع بشيء شربة ماء خير منه!
وهذا يبين أن نعمة الله على العبد في شربة ماء عند العطش أعظم من ملك الأرض كلها، ثم تسهيل خروج الحدث من أعظم النعم، وهذه إشارة وجيزة إلى النعم الخاصة.
اعلم: أن ما من عبد إلا إذا أمعن النظر رأى من نعم الله نعمًا كثيرة لا يشاركه فيها عموم الناس، بل قد يشاركه في ذلك كثير منهم، من ذلك العقل، فما من عبد إلا وهو راضٍ عن الله سبحانه في عقله، يعتقد أنه أعقل الناس، وقلما يسأل الله العقل، وإذا كان ذلك اعتقاده، فيجب عليه أن يشكر الله تعالى على ذلك.
ومن ذلك الخلق، فإنه ما من عبد إلا ويرى من غيره عيوبًا يكرهها، وأخلاقًا يذمها، ويرى نفسه بريئًا منها، فينبغي أن يشكر الله تعالى على ذلك، حيث أحسن خلقه وابتلى غيره.
ومن ذلك أن ما من أحد إلا وهو يعرف من بواطن أمور نفسه وخفايا أركانها ما هو منفرد به، ولو كشف الغطاء عنه حتى أطلع عليه أحد من الخلق لافتضح، فكيف لو اطلع الناس كافة؟ فلم لا يشكر الله بستره الجميل على مساويه، حيث أظهر الجميل وستر القبيح.
ولننزل إلى طبقة أعم من هذا القبيل، فنقول: ما من عبد إلا وقد رزقه الله تعالى في صورته، أو أخلاقه أو صفاته، أو أهله، أو ولده، أو مسكنه أو بلده، أو رفيقه أو أقاربه، أو جاهه، أو سائر محابه، أمورًا، لو سلب ذلك وأعطى ما خصص به من ذلك غيره، لكان لا يرضى به، وذلك مثل أن جعله مؤمنًا لا كافرًا، وحيًا لا جمادًا، وإنسانًا لا بهيمة، وذكرًا لا أنثى، وصحيحًا لا مريضًا، وسليمًا لا معيبًا، فإن كل هذه خصائص.
فإن كان لا يرى أن يبدل حاله بحال غيره، مثل أن يعرف شخصًا يرتضى لنفسه حاله بدلًا عن حال نفسه، إما على الجملة، أو في أمر خاص، فإن الله عليه نعمًا ليست

1 / 289