الجبلة، فلا يلتفت إلى دعواه، وقد بالغت في الكشف عن هذا كله في كتابى المسمى بـ " تلبيس إبليس " فلم أر التطويل هاهنا، والله أعلم.
باب آداب المعيشة وأخلاق النبوة
اعلم: أن آداب الظواهر عنوان آداب البواطن، وحركات الجوارح ثمرات الخواطر، والأعمال نتائج الأخلاق، والآداب رشح المعارف، وسرائر القلوب هى مغارس الأفعال ومنابعها، وأنوار السرائر هى التى تشرق على الظواهر فتزينها وتحليها. ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه، ومن لم يكن صدره مشكاة الأنوار الإلهية، لم يفض على ظاهره جمال الآداب النبوية.
وقد أسلفنا جملة من الآداببما يغنى عن إعادتها هاهنا، لكن نقتصر في هذا الباب على شىء من آداب رسول الله ﵌ وأخلاقه لنجمع مع جمع الآداب تأكيد الإيمان بمشاهدة أخلاقه الكريمة التى يشهد آحادها بأنه أكرم الخلق وأعلاهم مرتبة وأجلهم قدرًا، فكيف بمجموعها؟.
سئلت عائشة رضى الله عنه الله، عنها عن خلق رسول الله ﵌ فقالت: كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، ولما كمل الله تعالى خلقه أثنى عليه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٥] فسبحان من أعطى ثم أثنى.
وهذه جملة من محاسن أخلاقه ﵌، وصفته:
كان رسول الله ﵌ أحلم الناس، واسخي الناس، وأعطف الناس. وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله.
وكان أشد حياء من العذراء في خدرها.
وكان يجيب دعوة المملوك، ويعود المرضى، ويمشى وحده، ويردف خلفه، ويقبل الهدية، ويأكلها، ويكافئ عليها، ولا يأكل الصدقة، ولا يجد من الدقل (١) ما يملأ بطنه، ولم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام تباعًا.
وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع.