95

(في السرقات الشعرية وما يتصل بها) مثل الاقتباس والتضمين والعقد والحل والتلميح (وغير ذلك) مثل القول في الابتداء والتخلص والانتهاء. وانما قلنا ان الخاتمة من الفن الثالث دون ان نجعلها خاتمة للكتاب خارجة عن الفنون الثلاثة كما توهمه غيرنا لان المصنف قال في الايضاح في آخر بحث المحسنات اللفظية. هذا ما تيسر لى باذن الله جمعه وتحريره من اصول الفن الثالث وبقيت اشياء يذكرها في علم البديع بعض المصنفين وهو قسمان. احدهما ما يجب ترك التعرض له لعدم كونه راجعا إلى تحسين الكلام أو لعدم الفائدة في ذكره لكون داخلا فيما سبق من الابواب والثانى مما لا بأس بذكره لاشتماله على فائدة مع عدم دخوله فيما سبق مثل القول في السرقات الشعرية وما يتصل بها (اتفاق القائلين) على لفظ التثنية (ان كان في الغرض على العموم كالوصف بالشجاعة والسخاء) وحسن الوجه والبهاء ونحو ذلك (فلا يعد) هذا الاتفاق (سرقة) ولا استعانة ولا اخذا ونحو ذلك مما يؤدى هذا المعنى (لتقرره) أي لتقرر هذا الغرض العام في (العقول والعادات) فيشترك فيه الفصيح والاعجم والشاعر والمفحم (وان كان) اتفاق القائلين (في وجه الدلالة) أي طريق الدلالة على الغرض (كالتشبيه والمجاز والكناية وكذكر هيئات تدل على الصفة لاختصاصها بمن هي له) أي لاختصاص تلك الهيئات بمن ثبت تلك الصفة له (كوصف الجواد بالتهلل عند ورود العفاة) أي السائلين جمع عافى (و) كوصف (البخيل بالعبوس) عند ذلك (مع سعة ذات اليد أي المال. واما العبوس عند ذلك مع قلة ذات اليد فمن اوصاف الاسخياء (فان اشترك الناس في معرفته ) أي في معرفة وجه الدلالة (لاستقراره فيهما) أي في العقول والعادات (كتشبيه الشجاع بالاسد والجواد بالبحر فهو كالاول) أي فالاتفاق في هذا النوع من وجه الدلالة كالاتفاق في الغرض العام في انه لا يعد سرقة ولا اخذا (والا) أي وان لم يشترك الناس في معرفته (جاز ان يدعى فيه) أي في هذا النوع من وجه الدلالة (السبق والزيادة) بان يحكم بين القائلين فيه بالتفاضل وان احدهما فيه اكمل من الاخر وان الثاني زاد على الاول أو نقص عنه. (وهو) أي ما لا يشترك الناس في معرفته من وجه الدلالة على الغرض (ضربان) احدهما (خاصى في نفسه غريب) لا ينال الا بفكر (و) الاخر (عامى تصرف فيه بما اخرجه من الابتذال إلى الغرابة كما مر) في باب التشبيه والاستعارة من تقسيمهما إلى الغريب الخاصى والمبتذل العامي الباقي على ابتذاله والمتصرف فيه بما يخرجه إلى الغرابة (فالاخذ والسرقة) أي ما يسمى بهذين الاسمين (نوعان ظاهر وغير ظاهر. اما الظاهر فهو ان يؤخذ المعنى كله اما) مع اللفظ كله أو بعضه أو) حال كونه (وحده) من غير اخذ شئ من اللفظ (فان اخذ اللفظ كله من غير تغيير لنظمه) أي لكيفية الترتيب والتأليف الواقع بين المفردات (فهو مذموم لانه سرقة محضة ويسمى نسخا وانتحالا كما حكى عن عبد الله بن الزبير انه فعال ذلك بقول معن ابن اوس إذا انت لم تنصف اخاك) أي لم تعطه النصفة ولم توفه حقوقه (وجدته، على طرف الهجران) أي هاجرا لك متبدلا بك وباخوتك (ان كان يعقل ويركب حد السيف) أي يتحمل الشدائد تؤثر فيه تأثير السيوف وتقطعه وتقطيعها (من ان تضيمه،) أي بدلا من ان تظلمه (إذا لم يكن عن شفرة السيف) أي عن ركوب حد السيف وتحمل المشاق (مزحل) أي مبعد. فقد حكى ان عبد الله بن الزبير دخل على معاوية فأنشده هذين البيتين فقال له معاوية لقد شعرت بعدى يا ابا بكر ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معن بن اوس المزني فانشد قصيدته التى اولها: لعمرك ما ادرى وانى لاوجل * على اينا تغدو المنية اول حتى اتمهما وفيها هذان البيتان فاقبل معاوية على عبد الله بن الزبير وقال الم تخبرني انهما لك فقال اللفظ له والمعنى له وبعد فهو اخى من الرضاعة وانا احق بشعره. (وفى معناه) أي في معنى ما لم يغير فيه النظم (ان يبدل بالكلمات كلها أو بعضها ما يرادفها) يعنى انه ايضا مذموم وسرقة محضة كما يقال في قول الحطية: دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فانك انت الطاعم الكاسي ذر الماثر لا تذهب بمطلبها * واجلس فانك انت الآكل اللابس كما قال امرئ القيس: وقوفا بها صحبى على مطيهم * يقولون لا تهلك اسى وتجمل فاورده طرفة في داليته الا انه اقام تجلد مقام تجمل (وان كان) اخذ اللفظ كله (مع تغيير لنظمه) أي نظم اللفظ (أو اخذ بعض اللفظ) لاكله (سمى) هذا الاخذ (اغارة ومسخا) ولا يخلو اما ان يكون الثاني ابلغ من الاول أو دونه أو مثله (فان كان الثاني ابلغ) من الاول (لاختصاصه بفضيلة) لا توجد في الاول كحسن السبك أو الاختصار أو الايضاح أو زيادة معنى (فممدوح) أي فالثاني مقبول كقول بشار من راقب الناس) أي حاذرهم (لم يظفر بحاجة وفاز بالطيبات الفاتك اللهج) أي الشجاع القتال الحريص على القتل (وقول سلم) الخاسر بعده (من راقب الناس مات غما) أي حزنا وهو مفعول له أو تمييز (وفاز باللذة الجسور) أي التشديد الجرئة فبيت سلم اجود سبكا واخصر لفظا (وان كان) الثاني (دونه) أي دون الاول في البلاغة لفوات فضيلة توجد في الاول (فهو) أي الثاني (مذموم كقول ابى تمام) في مرثية محمد بن حميد (هيهات لا يأتي الزمان بمثله * ان الزمان بمثله لبخيل) وقول ابى الطيب اعدى الزمان سخاؤه) يعنى لعلم الزمان منه السخاء وسرى سخاؤه إلى الزمان (فسخا به) واخرجه من العدم إلى الوجود ولو لا سخاؤه الذى استفاده منه لبخل به على اهل الدنيا واستبقى لنفسه كذا ذكره ابن جنى وقال ابن فورجه هذا تأويل فاسد لان سخاء غير موجود لا يوصف بالعدوى وانما المراد سخا به على وكان بخيلا به على فلما اعداه سخاؤه اسعدني بضمي إليه وهدايتي له لما اعداه سخاؤه (ولقد يكون به الزمان بخيلا) فالمصراع الثاني مأخوذ من المصراع الثاني لابي تمام على كل من تفسيرى ابن جنى وابن فورجة إذ لا يشترط في هذا النوع من الاخذ عدم تغاير المعنين اصلا كما توهمه البعض والا لم يكن مأخوذا منه على تأويل ابن جنى ايضا لان ابا تمام علق البخل بمثل المرثى وابا الطيب بنفس الممدوح هذا ولكن مصراع ابى تمام اجود سبكا لان قول ابى الطيب. ولقد يكون بلفظ المضارع لم يقع موقعه إذ المعنى على المضى. فان قيل المراد فقد يكون الزمان بخيلا بهلاكه أي لا يسمح بهلاكه قط لعلمه بانه سبب صلاح العام والزمان وان سخا بوجوده وبذله للغير لكن اعدامه وافناؤه باق بعد في تصرفه. قلنا هذا تقدير لا قرينة عليه وبعد صحته فمصراع ابى تمام اجود لاستغنائه عن مثل هذا التكلف (وان كان) الثاني (مثله) أي مثل الاول (فابعد) أي فالثاني ابعد (من الذم والفضل للاول كقول ابى تمام لو حار) أي تحير في التوصل إلى اهلاك النفوس (مرتاد المنية) أي الطالب الذى هو المنية على انها اضافة بيان (لم يجد، الا الفراق على النفوس دليلا وقول ابى الطيب لو لا مفارقة الاحباب ما وجدت، لها المنايا إلى ارواحنا سبلا) الضمير في لها لمنية وهو قال من سبلا أو المنايا فاعلل وجدت وروى يد المنايا فقد اخذ المعنى كله مع لفظ المنية والفراق والوجدان وبدل النفوس بالارواح وان اخذ المعنى وحده سمى) هذا الاخذ (لماما) من الم إذا قصد واصله من الم بالمنزل إذا نزل به (وسلخا) وهو كشط الجلد عن الشاة ونحوها فكأنه كشط عن المعنى جلد أو البسه جلدا آخر فان اللفظ للمعننى بمنزلة اللباس (وهو ثلاثة اقسام كذلك) أي مثل ما يسمى اغارة ومسخا لان الثاني اما ابلغ من الاول أو دونه أو مثله (اولها) أي اول الاقسام وهو ان يكون الثاني ابلغ من الاول (كقول ابى تمام هو) الضمير للشان (الصنع) أي الاحسان والصنع مبتدأ خبره الجملة الشرطية اعني قوله (ان تعجل فخير وان ترث،) أي تبطأ (فالريث في بعض المواضع أنفع) والاحسن ان يكون هو فيه عائذا إلى حاضر في الذهن وهو مبتدأ خبره الصنع والشرطية ابتداء كلام، وهذا كقول ابى العلاء هو الهجر حتى ما يلم خيال، وبعض صدود الزائرين وصال، وهذا نوع من الاعراب لطيف لا يكاد يتنبهه الا الاذهان الراقية من ائمة العرب (وقول ابى الطيب ومن الخير بطوء سيبك) أي تأخر عطائك (عنى، اسرع السحب في المسير الجهام) أي السحاب الذى لا ماء فيه. واما ما فيه ماء فيكون بطيئا ثقيل المشى فكذا حال العطاء ففى بيت ابى الطيب زيادة بيان لاشتماله على ضرب المثل بالسحاب (وثانيها) أي ثانى الاقسام وهو ان يكون الثاني دون الاول (كقول البحترى وإذا تألق) أي ملع (في الندى) أي في المجلس (كلامه المصقول) المنقح (خلت) أي حسبت (لسانه من عضبه) أي سفيه القاطع وقول ابى الطيب: كأن السنهم في النطق قد جعلت * على رماحهم في الطعن خرصانا جمع خرص بالضم والكسر هو السنان يعنى ان السنهم عند النطق في المضاء والنفاذ تشابه اسنتهم عند الطعن فكأن السنهم جعلت اسنة على رماحهم فبيت البحترى ابلغ لما في لفظي تألق والمصقول من الاستعارة التخييلية فان التألق والصقالة للكلام بمنزلة الاظفار للمنية ولزم من ذلك تشبيه كلامه بالسيف هو استعارة بالكناية. (وثالثها) أي ثالث الاقسام وهو ان يكون الثاني مثل الاول (كقول الاعرابي) ابى زياد (ولم يك اكثر الفتيان مالا، ولكن ارحبهم ذراعا) أي اسخاهم، يقال فلان رحب الباع والذراع ورحبتهما أي سخى (وقول الشجع ليس) أي الممدوح يعنى جعفر بن يحيى (باوسعهم) الضمير للملوك (في الغنى ولكن معروفه) أي احسانه (اوسع) فالبيتان متماثلان هذا ولكن لا يعجبنى معروفه اوسع (واما غير الظاهر فمنه ان يتشابه المعنيان) أي معنى البيت الاول ومعنى البيت الثاني (كقول جرير فلا يمنعك من ارب) أي حاجة (لحاهم) جمع لحية يعنى كونهم في صورة (الرجال سواء ذو العمامة والخمار) يعنى ان الرجال منهم والنساء سواء في الضعف. وقول ابى الطيب: ومن في كفه منهم قناة * كمن في كفه منهم خضاب) واعلم انه يجوز في تشابه المعنيين اختلاف البيتين نسيبا ومديحا وهجاء وافتخارا أو نحو ذلك. فان الشاعر الحاذق إذا قصد إلى المعنى المختلس لينظمه احتال في اخفائه فغير لفظه وصرفه عن نوعه ووزنه وقافيته والى هذا اشار بقوله. (ومنه) أي غير الظاهر (ان ينقل المعنى إلى محل آخر كقول البحترى سلبوا) أي ثيابهم (واشرقت الدماء عليهم، محمرة فكأنهم لم يسلبوا) لان الدماء المشرقة كانت بمنزلة الثياب لهم (وقول ابى الطيب يبس النجيع عليه) أي على السيف (وهو مجرد عن غمده فكأنما هو مغمد) لان الدم اليابس بمنزلة غمد له فنقل المعنى من القتلى والجرحى إلى السيف. (ومنه) أي من غير الظاهر (ان يكون معنى الثاني اشمل) من معنى الاول (كقول جرير إذا غضبت عليك بنو تميم، وجدت الناس كلهم غضابا) لانهم يقومون مقام كلهم (وقول ابى نؤاس ليس من الله بمستنكر * ان يجمع العالم في واحد) فانه يشمل الناس وغيرهم فهو اشمل من معنى بيت جرير. (ومنه) أي من غير الظاهر (القلب وهو ان يكون معنى الثاني نقيض معنى الاول كقول ابى الشيص جد الملاملة في هواك لذيذة * حبا لذكرك فليلمنى اللوم وقول ابى الطيبء احبه) الاستفهام للانكار باعتبار القيد الذى هو الحال اعني قوله (واحب فيه ملامة،) كما يقال اتصلى وانت محدث على تجويز واو الحال في المضارع المثبت كما هو راى البعض أو على حذف المبتدا أي وانا احب. ويجوز ان يكون الواو للعطف، والانكار راجع إلى الجمع بين الامرين اعني محبته ومحبة الملامة فيه (ان الملامة فيه من اعدائه) وما يصدر عن عدو المحبوب يكون مبغوضا لا محبوبا وهذا نقيض معنى بيت ابى الشيص لكن كل منهما باعتبار آخر ولهذا قالوا الاحسن في هذا النوع ان يبين السبب. (ومنه) أي من غير الظاهر (ان يؤخذ بعض المعنى ويضاف إليه ما يحسنه كقول الافوه فترى الطير على آثارنا، راى عين) يعنى عيانا (ثقة) حال أي واثقة أو مفعول له مما يتضمنه قوله على آثارنا أي كائنة على آثارنا لوثوقها (ان ستمار) أي ستطعم من لحوم من نقتلهم (وقول ابى تمام وقد ظللت) أي القى عليها الظل وصارت ذوات ظل (عقبان اعلامه ضحى، بعقبان طير في الدماء نواهل) من نهل إذا روى نقيض عطش (اقامت) أي عقبان الطير (مع الرايات) أي لاعلام وثوقا بانها ستطعم لحوم القتلى (حتى كلها من الجيش الا انها لم تقاتل، (فان ابا تمام لم يلم بشئ من معنى قول الافوه راى عين) الدال على قرب الطير من الجيش بحيث ترى عيانا لاتخيلا. وهذا مما يؤكد شجاعتهم وقتلهم الاعادي (ولا) بشئ من معنى (قوله ثقة ان ستمار) الدال على وثوق الطير بالمبرة لاعتيادها بذلك وهذا ايضا مما يؤكد المقصود قيل ان قول ابى تمام وقد ظلت المام بمعنى قوله راى عين لان وقوع الظل على الرايات مشعر بقربها من الجيش. وفيه نظر إذ قد يقع ظل الطير على الراية وهو في جو السماء بحيث لا يرى اصلا. نعم لو قيل ان قوله حتى كأنها من الجيش المام بمعنى قوله راى عين فانما تكون من الجيش إذا كانت قريبا منهم مختلطا بهم لم يبعد عن الصواب (لكن زاد) أبو تمام (عليه) أي على الافوه زيادات محسنة للمعنى المأخوذ من الافوه اعني تساير الطير على آثارهم (بقوله الا انها لم تقاتل وبقوله في الدماء نواهل وباقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش وبها) أي وباقامتها مع الرايات حتى كأنها من الجيش (تيم حسن الاول) يعنى قوله الا انها لم تقاتل لانه لا يحسن الاستدراك الذى هو قوله الا انها لم تقاتل ذلك الحسن الا بعد ان يجعل الطير مقيمة مع الرايات معدودة في عداد الجيش حتى يتوهم انها ايضا من المقاتلة، وهذا هو المفهوم من الايضاح. وقد قيل معنى قوله وبها أي بههذه الزيادات الثلاث يتم حسن معنى البيت الاول (واكثر هذه الانواع) المذكورة لغير الظاهر (ونحوها مقبولة) لما فيها من نوع تصرف. (ومنها) أي من هذه الانواع (ما يخرجه حسن التصرف من قبيل الاتباع إلى حيز الابتداع وكل ما كان اشد خفاء) بحيث لا يعرف كونه مأخوذا من الاول الا بعد مزيد تأمل (كان قرب إلى القبول) لكونه ابعد عن الاتباع وادخل في الابتداع (هذا) أي الذى ذكر في الظاهر وغيره من ادعاء سبق احدهما واخذ الثاني منه وكونه مقبولا أو مردودا وتسمية كل بالاسامي المذكورة (كله) انما يكون (إذا علم ان الثاني اخذ من الاول) بان يعلم انه كان يحفظ قول الاول حين نظم أو بان يخبر هو عن نفسه انه اخذ منه والا فلا يحكم بشئ من ذلك (لجواز ان يكون الاتفاق) في اللفظ والمعنى جميعا أو في المعنى وحده (من قبيل توارد الخواطر) أي مجيئه (على سبيل الاتفاق من غير قصد إلى الاخذ) كما يحكى عن ابن ميادة انه انشد لنفسه، مفيد ومتلاف إذا ما اتيته، تهلل واهتز اهتزاز المهند فقيل له اين يذهب بك هذا للحطيئة، فقال الان علمت انى شاعر إذا وافقته على قوله ولم اسمعه (فإذا لم يعلم) ان الثاني اخذ من الاول. (قيل قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا) ليغتنم بذلك فضيلة الصدق ويسلم من دعوى علم الغيب ونسبة النقص إلى الغير (ومما يتصل بهذا) أي بالقول في السرقات (القول في الاقتباس والتضمين والعقد والحل والتلميح) بتقديم اللام على الميم من لمحه إذا ابصره وذلك لان في كل منها اخذ شئ من الاخر (اما الاقتباس فهو ان يضمن الكلام) نظما كان أو نثرا (شيءا من القرآن أو الحديث لا على انه منه) أي لا على طريقة ان ذلك الشئ من القرآن أو الحديث يعنى على وجه لا يكون فيه اشعار بانه منه كما يقال في اثناء الكلام قال الله تعالى كذا وقال النبي عليه السلام كذا ونحو ذلك فانه لا يكون اقتباسا. ومثل للاقتباس باربعة امثلة لانه اما من القرآن أو الحديث وكل منهما اما في النثر أو في النظم. فالاول (كقول الحريري فلم يكن الا كلمح البصر أو هو اقرب حتى انشد واغرب،). والثانى مثل (قول الاخر ان كنت ازمعت) أي عزمت (على هجرنا، من غير ما جرم فصبر جميل، وان تبدلت بنا غيرنا، فحسبنا الله ونعم الوكيل و) الثالث مثل (قول الحريري قلنا شاهت الوجوه) أي قبحت وهو لفظ الحديث على ما روى انه لما اشتد الحرب يوم حنين اخذ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كفا من الحصاء فرمى به وجوه المشركين وقال شاهت الوجوه (وقبح) على المبنى للمفعول أي لعن من قبحه الله بالفتح أي ابعده عن الخير (اللكع) أي لعن اللئيم. (و) الرابع مثل (قول ابن عباد قال) أي الحبيب (لى ان رقيبي سئ الخلق فداره،) من المداراة وهى الملاطفة والمجاملة وضمير المفعول للرقيب (قلت دعني وجهك الجنة حفت بالمكاره) اقتباسا من قوله عليه السلام حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات أي احيطت يعنى لابد لطالب جنة وجهك من تحمل مكاره الرقيب كما انه لابد لطالب الجنة من مشاق التكاليف. (وهو) أي الاقتباس (ضربان) احدهما (ما لم ينقل فيه المقتبس عنه معناه الاصلى كما تقدم) من الامثلة (و) الثاني (خلافه) أي ما نقل فيه المقتبس عن معناه الاصلى (كقول ابن الرومي لئن اخطأت في مدحك ما اخطأت في منعى، لقد انزلت حاجاتي بواد غير ذى زرع) هذا مقتبس من قوله تعالى (ربنا انى اسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم) لكن معناه في القرآن واد لا ماء فيه ولا نبات وقد نقله ابن الرومي إلى جانب لا خير فيه ولا نفع (ولا بأس بتغيير يسير) في اللفظ المقتبس (للوزن أو غيره كقوله) أي كقول بعض المغاربة (قد كان) أي وقع (ما خفت ان يكونا، انا إلى إليه راجعونا) وفى القرآن انا لله وانا إليه راجعون (واما التضمين فهو ان يضمن الشعر شيءا من شعر الغير) بيتا كان أو ما فوقه أو مصراعا أو ما دونه (مع التنبيه عليه) أي على انه من شعر الغير (ان لم يكن ذلك مشهورا عند البلغاء). وبهذا يتمييز عن الاخذ والسرقة (كقوله) أي كقول الحريري يحكم ما قاله الغلام الذى عرضه أبو زيد للبيع (على انى سأنشد عند بيعي، اضاعوني واى فتى اضاعوا) المصراع الثاني للعرجى، ونمامه ليوم كريهة وسداد ثغر اللام في ليوم لام التوقيت والكريهة من اسماء الحرب وسداد الثغر بكسر السين لا غير سده بالخير والرجال والثغر موضع للمخافة من فروج البلدان أي اضاعوني في وقت الحرب وزمان سد الثغور ولم يراعوا حقى احوج ما كانوا إلى واى فتى أي كاملا من الفتيان اضاعوا. وفيه تنديم وتخطئة لهم وتضمين المصراع بدون التنبيه لشهرته كقول الشاعر قد قلت لما اطلعت وجناته، حول الشقيق الغض روضة آس، اعذاره السارى العجول توقفا، ما في وقوفك ساعة من بأس المصراع الاخير لابي تمام (واحسنه) أي احسن التضمين (ما زاد على الاصل) أي شعر الشاعر الاول (بنكتة) لا توجد فيه (كالتورية) أي الايهام (والتشبيه في قوله إذا الوهم ابدى) أي اظهر (لى لماها) أي سمرة شفتيها (وثغرها، تذكرت ما بين العذيب وبارق ويذكرني) من الاذكار (من قدها ومدامعي، مجر عوالينا ومجرى السوابق) انتصب مجر على انه مفعول ثان ليذكرني وفاعله ضمير يعود إلى الوهم. وقوله تذكرت ما بين العذيب وبارق، مجر عوالينا ومجرى السوابق مطلع. قصيدة لابي الطيب، والعذيب وباريق موضعان وما بين ظرف للتذكر أو للمجر والمجرى قدم اتساعا في تقديم الظرف على عامله المصدر أو ما بين مفعول تذكرت ومجر بدل عنه والمعنى انهم كانوا نزولا بين هذين الموضعين وكانوا يجرون الرماح عند مطارده الفرسان ويسابقون على الخيل.

صفحه ۳۱۰