محمد علی جناح
القائد الأعظم محمد علي جناح
ژانرها
وقد وصل إلى إنجلترا وهو في السادسة عشرة، وعاد منها إلى وطنه وهو في العشرين، وبدأ اتصاله بالحياة العامة في هذه الفترة على سنته التي نصح بها الطلاب في مثل سنه بعد اشتهاره والاعتراف بزعامته، وسنته هي أن الاهتمام بالمريض غير ادعاء القدرة على علاجه، وأن الطالب يستعد لغده ويخدم باستيفاء عدته وخبرته، ولا يخدمه بتعجل العمل قبل أدائه.
وكان أول اتصال له بالحياة العامة نشاطه مع زملائه الطلبة الهنود في ترشيح شيخ الهنود المقيمين بلندن يومئذ - دادا بهاي ناروجي - لإحدى الدوائر البرلمانية، وهاجه سخطا قول اللورد سلسبوري للشيخ الهندي أنه من السود الملونين ... مع أن ناروجي كان أنصع بشرة من جمهرة الإنجليز، فوقر في خلده من ذلك اليوم أن الألوان نفسها، تتغير في رأي المستعمرين إذا بدت على بشرة الشرقيين.
وقد كان سخطه على سلسبوري من أسباب إعجابه بغلادستون، وضاعف إعجابه به مناصرته للقضية الأيرلندية وهي يومئذ قضية متواضعة تقنع بالحكم الذاتي للأيرلنديين، ولكنها على هذا التواضع كانت تثير نقمة الدولة البريطانية ويحاربها فريق من الأحرار كما تحاربها كثرة المحافظين، ويقول الذين سمعوا خطب جناح أيام الدعوة إلى الباكستان أنها تذكرهم بخطب غلادستون أيام الدعوة إلى «الهوم رول» أو الحكم الذاتي للأيرلنديين الجنوبيين، فإن قيام دولة في شطر من أيرلندة نموذج سابق لقيام دولة الباكستان - في شطر من القارة الهندية - وإذا جاز في الجزيرة الصغيرة أن تحتمل حكومتان؛ فأصلح من ذلك للتطبيق العملي قيام حكومتين تحكم إحداهما نحو مائتين وخمسين مليونا، وتحكم الأخرى نحو تسعين. •••
وتعد هذه المناوشات السياسية أثناء الدراسة بإنجلترا حادثا هاما في حياة جناح العامة؛ لأنها عينت له مدرسة السياسة التي يؤمن بصلاحها لتوجيه وطنه في تلك الآونة، وهي مدرسة المعتدلين أمثال ناروجي وجوكهيل وفيروز شاه وراناد، وكانت هي المدرسة التي تتوسط في مسائل العلاقات بين الهنود والإنجليز، وبين البرهميين والمسلمين من الهنود، وبين التشبث بالقديم والشطط مع الجديد.
ولم تتقبل طبيعته مبادئ هذه المدرسة «المعتدلة» لسهولتها، كما توحي صفة الاعتدال أحيانا إلى أذهان المستمعين من بعيد، فإن التوسط بين المذاهب المتطرفة كثيرا ما يسفر عن عداء الجميع واعتزال جميع الأطراف، ولكنه تقبل مبادئ المدرسة المعتدلة؛ لأنه آمن بصلاحها على وعورة سبيلها وكثرة الشروط التي يتطلبها التصدي لأعبائها وتكاليفها، وكان امتحانه الأول في سياستها أعسر امتحان يعرض للسياسي الناشئ في أول حياته العامة، وهو موقف السادة الهنود على تباين آرائهم ونزعاتهم من تقسيم البنغال.
كان تقسيم البنغال من معضلات الهند الشائكة التي لا يتأتى الحكم عليها بمقياس واحد، ولا يسهل على كل سياسي أن يقبلها أو يرفضها جملة واحدة؛ لأنها نافعة ضارة، بريئة الظاهر في بعض جوانبها مدخولة الباطن في جوانبها الأخرى.
كانت بحق عقدة تحير الباحث فيها من المسلمين خاصة، وقد يرفضها الهندي البرهمي بغير تردد، ولكنها لا تقابل بالرفض في البيئات الإسلامية بهذه السهولة.
أما هذه المعضلة فخلاصتها أن اللورد كرزون حاكم الهند يومئذ قرر تقسيم البنغال إلى إقليمين لكل منهما إدارة منفصلة عن إدارة الإقليم الآخر، وكان عدد سكان البنغال نحو سبعين مليونا من البراهمة والهنود، يقيم المسلمون في أصقاعه الشرقية ، ويضطرون إلى ربط أعمالهم ومرافقهم بمدينة كلكتا عاصمة الإقليم كله، وفي ذلك تعطيل لمصالحهم وإكراه لهم على إخضاع تلك المصالح لفئة من ذوي اليسار البرهميين المسيطرين على العاصمة وعلى الأصقاع الغربية، فإذا انتقلت العاصمة في الإقليم الشرقي إلى «دكا» خفت هذه السيطرة وتهيأت للسكان المسلمين فرص الاستقلال بالمرافق التجارية والاقتصادية، وهكذا كان لورد كرزون يعلل مشروعه في تقسيم الإقليم الكبير.
إلا أن المسألة ذات وجهين ظاهر وباطن، وهذا هو ظاهرها المعقول. أما باطنها المستور فهو الانتقام من ذوي اليسار الذين كانوا يؤيدون في ذلك العهد حركة الاستقلال والمطالبة بالحكومة الذاتية، ويمدونها بالمال ويتعهدونها بالتشجيع والتحريض، وهو عدا هذا ضربة مصوبة إلى الوحدة الوطنية بين البرهميين والمسلمين، ومثار للشقاق الدائم بين الفريقين في البنغال يتبعه لا محالة شقاق دائم في سائر الأقاليم.
هذا هو الامتحان الأول الذي امتحن به جناح في مدرسته السياسية، وهي مدرسة المعتدلين، وأنه لامتحان عسير، أشبه ما يكون بالامتحان الذي زعموا أن القوى الخفية من المردة والجان تختبر به عزيمة الولي حين يريد السيطرة عليها والاحتفاظ بالاسم الأعظم الذي يروضها على الطاعة، وقد يكون فيه الهلاك ... وقد تكون فيه السيادة والنجاة.
صفحه نامشخص