فابتسم قائلا: سجوريا مش سجوريا أنت مالك؟ أما أنت مغفل! أنت فاكر إن فيه حاجة اسمها كلام شرف في الأيام دي؟ - لكن أنتم برده أسيادنا، أصل الشرف ومنبع الكلام السجوريا، اسمح لي يا بيه، أمال إحنا نعمل إيه بقى؟
وكأني أيقظت مرة ثانية بكلمتي هذه عرق الإحساس والشرف في جسمه، فلم يترك لي هذه المرة أما ولا جدا إلا لعنه.
ودخلنا شارع عماد الدين، فلمحنا صديق له على ما أظن، وأي صديق! إليك وصفه وطبقه على أمثاله، فهم كثيرون في هذا الحي.
الجسم عرض المتر، واللياقة 45 تفصيل، ورقبته مش باينة من أكتافه، وبالاختصار من نوع «الأسد المصري» «والنمر السوري» «والفيل الطلياني» وفي يده اليمنى عصا وزن عشرة كيلو، وما خفي داخل الجيوب كان أعظم.
هذا الصنف يخرج من أوجاره في المساء مع الوطاويط، لهم أسماء كثيرة منها: العتر والمشاريد والبلوكاريا والتهويشجية، مهنتهم سهر الليالي وتعكير الجو ومضايقة العالم وتشريف قسم الأزبكية كل ليلة لكتابة محضر الليلة.
بريالين يمكنك أن «تسلطه على أي مخلوق» وبريال آخر يضربك أنت في الليلة عينها، وأوقفت العربة بأمر سيدي البك، فقابله الآخر بلهفة قائلا: إيه التأخير ده يا سيدنا، ماري قاعدة شايلة عبد القادر ومبوزة، ومدام مارسيل بتقول إنك السبب، البت واقعة قوي يا شيخ، الله! مالك مبوز؟
فأخبره سيدنا بما حدث بيني وبينه، فزغدني الصديق بكعب عصاه قائلا: أنت لسانك طويل قوي يا أسطى، إذا كنت تحب أنا أقطعه، والا تحب تمشي بعكاز؟ أكسر لك دماغه يا بيه؟ يكونش نفسك تروح لبرسومة؟
هذا وأنا على كرسي كالصنم، خائف أن أنبس ببنت شفة؛ ربما ظنها حضرة الفتوة غير لائقة بمقامه، وهنا تبدأ المأساة، فأصاب بلخبطة في كياني لا قبل لي بها.
ووصلنا إلى الكازينو، ونزل صاحبنا، وكانت الساعة واحدة ونصف، وأعطاني الأجرة، فلم أنظر له بل وضعتها في جيبي بسكون، فرأيته يدخل بين الاحترامات الزائفة والتسليمات الكاذبة، ووراءه الحائط المتحركة، يسوق فريسته إلى حيث الكاسات المثلجة، والوجوه «المشقلبة» والرقص على جميع الألوان والحركات، والضحك الذي ليس وراءه إلا الأسى والمفجعات، والأنوار الساطعة التي تحجب عنك الحقيقة المؤلمة بنورها.
أما أنا فقد اكتفيت من ليلتي بما رأيت، مقتنعا بأن الشرف وكلام الشرف ابن الوقت والساعة، وقصدت منزلي حيث أنام على ضوء المسرجة الضعيف، قانعا - متعكم الله وإيانا - بفضيلتي الشرف والقناعة، وأروڤوار.
صفحه نامشخص