جهتگیری سیاسی مصر در دوران محمد علی: بنیانگذار مصر مدرن
الاتجاه السياسي لمصر في عهد محمد علي: مؤسس مصر الحديثة
ژانرها
54
ولكن حدث في سنة 1811م أن إحدى السفن الفرنسية المسلحة المكلفة باقتناص السفن التجارية قد حاولت بيع البضائع التي اغتنمتها، كما أن سفينة أخرى قد أعادت الكرة في سنة 1812م، وحاولت بيع سفينة إنجليزية استولت عليها، ولكن مندوبي إنجلترا أبدوا في الحالتين معارضة شديدة موفقة؛ فقد أدى اعتراضهما إلى بقاء المسألة معلقة ريثما وصلتهم فرمانات من السلطان. وكانت علاقات الصداقة قد توثقت بينه وبين إنجلترا بحظر بيع الغنائم أي البضائع التي تقع غنيمة بأيدي أحد فريقي النزاع في المواني التركية، ولكن هذا كما لاحظ دروفيشي في كثير من الغيظ، لم يمنع توريد بضائع الغنيمة التي حكمت بمصادرتها المحكمة الإنجليزية في لندن وتضييق مجال الانتقام أمام الفرنسيين، وقد قال بهذه المناسبة غالبا: ماذا عسى أن تكون قيمة الغنائم إذا لم نستطع أن نبيعها في جهة من الجهات؟!
55
ويلوح أن التجارة وقد دخلت في موضوع النزاع قد رجحت كفة الميزان كثيرا لمصلحة إنجلترا، وبخاصة لأنها عجلت في ملء خزائن الباشا بعد أن كانت خاوية على عروشها.
وفي الوقت نفسه وللوصول إلى الغاية عينها شرع محمد علي في إصلاح أداة الإيرادات، فلقد سار الفساد السياسي في عهد الإمبراطورية التركية وعهد المغول في هذه الطريق عينها؛ بمعنى أن الإيرادات العامة كانت تبذر يمينا وشمالا لسد مطامع شخصية، ثم إن طريقة فرض الضرائب وطريقة جبايتها كانت قد وضعت بشكل حير عقول الباحثين. وقد سن الأقباط الذين احتكروا لأنفسهم «مهمة المحاسبجية» طريقة حسابية تشبه في تعقدها ما كان يفعله جماعة البراهمة في دفتر بونا، ثم جاء سك العملة بمثابة فرصة نادرة لسلب الفلاح والحكومة على السواء، وأصبح الفدان تختلف مساحته باختلاف الأقاليم وباختلاف الجهات في الإقليم الواحد، ثم إن عادة تأخير مرتبات الموظفين شهورا عديدة أعطى لهؤلاء الحق - وهو ما يرجح أنهم كانوا يفعلونه على كل حال - أن يفرضوا ضرائب إضافية سرعان ما ضمت عند اكتشافها إلى سلسلة الضرائب العامة وحلت محلها ضرائب جديدة أخرى.
ولقد عقد محمد علي النية على أن يشق لنفسه طريقا وسط هذه المساوئ المتجمعة، فقرر في سنة 1808م إجراء تحقيق في مسألة ملكية الأطيان، ولكن أسلاف محمد علي من المصلحين الشرقيين سبق أن حاولوا أن يفعلوا هذا، فكان نصيبهم على هذا الإصلاح أن سلقهم الناس بألسنة حداد.
ولقد أراد الباشا أن يطبق في مصر ما فعله الإمبراطور «أكبر» في الهند، ولم يكن ثمة محيص عن هذا بل كان ضروريا؛ فالضغط الذي استعمله ضد الموظفين المكلفين بجمع الضرائب لم يكن من شأنه أن يحملهم على التخلي عن أجورهم الإضافية. كلا؛ بل أدى بالعكس إلى تشديد وطأتهم على الفلاح الذي بعد أن ضاق ذرعا بما يستعمله من وسائل السلب كل من الملتزمين والموظفين والبدو والمماليك والألبانيين جعل يفر من الأرض ويهجر الحقول دون أن يحرثها.
وكانت نتيجة ذلك أن أمر محمد علي بأن تفحص كافة الهبات التي يزعم الملتزمون لأنفسهم الحق في وضع أيديهم على الأرض بمقتضاها، فقضى بإلغاء جميع ما كان مختل الإجراءات، كما أنه نزع بعد ذلك ملكية الأراضي التي تأخر سداد الضرائب عنها عدة سنوات وعوض أصحابها عن ضياع أراضيهم بمعاشات معينة، ثم خطا محمد علي بعد ذلك بست سنوات خطوة أخرى، فألغى الحصانة التي كانت تتمتع بها الأوقاف إلى ذلك الحين، وأمر بمسح الأراضي من جديد؛ حيث تبين له أن الأطيان التي كانت تدفع عنها أموال أميرية كانت في كثير من الأحيان تدفع هذه الأموال عن نصف المساحة المنزرعة فعلا. وقد سهل محمد علي بهذه الطريقة مسألة توزيع الأراضي.
وأخيرا، قضى محمد علي في سنة 1814م بتجريد باقي الملتزمين من أطيانهم. نعم؛ كانت هذه التصرفات قاسية وبغيضة في نظر الأشخاص الذين كان محمد علي يدين لهم بفضل ما كان ينعم به من التأييد الشعبي، ولكن لم يكن ثمة مناص من أمثال هذه الإجراءات. ولقد بين دورفيشي في سنة 1808م أن ما يقرب من ثلثي الأراضي التي كانت مزروعة فعلا في سنة 1798م كانت بورا، على أن الباشا (مطبقا ما كان يروجه موظفو شركة الهند الشرقية من المبادئ) لم يسمح بأن تبقى الأراضي التي أصبحت في حيازته بلا زراعة، بل أمر الفلاحين بالبدء في حرثها، مع فرض أصرم الجزاء على من يتهاون في أداء أعماله
56
صفحه نامشخص