مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ویرایشگر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ویراست
الأولى
سال انتشار
1422هـ - 2001م
محل انتشار
لبنان/ بيروت
( 24 ) ( وعن معاذ ) أي ابن جبل [ يكنى أبا عبد الله الأنصاري الخزرجي ، وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار ، وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد ، وبعثه إلى اليمن قاضيا ومعلما . روى عنه عمر وابن عمر وابن عباس وخلق سواهم ، مات وله ثمان وثلاثون سنة ] . ( قال : كنت ردف النبي ) وهو بكسر الراء وسكون الدال الذي يركب خلف الراكب من الردف وهو العجز ، أي كنت رديفه ( على حمار ) إشارة إلى كمال التذكر بالقصة ، وإشعار بتواضعه عليه الصلاة والسلام ( ليس بيني وبينه ) أراد شدة القرب فيكون الضبط أكثر ( إلا مؤخرة الرحل ) استثناء مفرغ ، وهو العود الذي يكون خلف الراكب بضم الميم بعدها همزة ساكنة وقد تبدل ثم خاء مكسورة هذا هو الصحيح ، وفيه لغة أخرى بفتح الهمزة والخاء المشددة المكسورة وقد تفتح ( فقال : يا معاذ هل تدري ) أي أتعرف ( ما حق الله على عباده ) قال الزمخشري : الدراية معرفة تحصل بضرب من الخداع ولذا لا يوصف الباري بها ، أي ولا بالمعرفة لإستدعائها سبق جهل بخلاف العلم ، أو لتعلق المعرفة بالجزئيات والله تعالى يعلم الجزئيات والكليات ( وما حق العباد على الله ؟ ) حق الله بمعنى الواجب واللازم ، وحق العباد بمعنى الجدير واللائق ؛ لأن الإحسان إلى من لا يتخذ ربا سواه جدير في الحكمة أن يفعله ، ولا يجب على الله شيء خلافا للمعتزلة ، وقيل : حق العباد ما وعدهم به . ومن صفة وعده أن يكون واجب الإنجاز فهو حق بوعده الحق وقال النووي : حق العباد على جهة المشاكلة والمقابلة لحقه عليهم ، ويجوز أن يكون من قول الرجل حقك وأجب علي أي قيامي به متأكد ، ومنه قول النبي : ( حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام ) ( قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن ) أي إذا فوضت فأعلم أن ( حق الله على العباد أن يعبدوه ) أي يوحدوه ، أو يقوموا بعبادته وعبوديته بمقتضى إلهيته وربوبيته ( ولا يشركوا به شيئا ) الواو لمطلق الجمع ، وهو تأكيد أو تخصيص ( وحق العباد ) بالنصب ويجوز رفعه ( على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا ) من الأشياء ، أو الإشراك أي عذابا مخلدا فلا ينافي دخول جماعة النار من عصاة هذه الأمة ، كما ثبت به الأحاديث الصحيحة بل المتواترة ، ومن ثمة أوجبوا الإيمان به . فإن قلت : كيف هذا مع قول البيضاوي : وليس بحتم عندنا أن يدخل النار أحد من الأمة بل العفو عن الجميع بموجب وعده 16 ( { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ) [ النساء 48 ] 16 ( { يغفر الذنوب جميعا } ) [ الزمر 53 ] مرجو ؟ قلت : البيضاوي لم ينف الدخول ، وإنما نفى تحتمه ، وجوز العفو عن الجميع من حيث عموم الوعد ، وأما من حيث إخباره عليه الصلاة والسلام بأنه لا بد من دخول جمع من العصاة النار فلم يتعرض له البيضاوي على أنه قال : اللازم على الوعد المذكور عموم العفو ، وهو لا يستلزم عدم الدخول لجواز العفو عن البعض بعد الدخول وقبل استيفاء العقاب . ا ه . وفيه مع ذلك نظر لأن النصوص دلت على دخول جمع النار وتعذيبهم بها وقد أسودت أبدانهم حتى صارت كالفحم فيجب الإيمان بذلك ( فقلت : يا رسول الله أفلا أبشر به الناس ؟ ) أي عمومهم ، والفاء في جواب الشرط المقدر أي إذا كان كذلك أفلا أبشرهم بما ذكرت من حق العباد ؛ والبشارة إيصال خبر إلى أحد يظهر أثر السرور منه على بشرته ، وأما قوله تعالى : 16 ( { فبشرهم بعذاب أليم } ) [ آل عمران 21 ] فتهكم أو تجريد ( قال : لا تبشرهم ) قال : بعض النهي مخصوص ببعض الناس ، وبه احتج البخاري على أن للعالم أن يخص بالعلم قوما دون قوم كراهة أن لا يفهموا ، وقد يتخذ أمثال هذه الأحاديث البطلة والمباحية ذريعة إلى ترك التكاليف ورفع الأحكام ، وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد خراب العقبى ( فيتكلوا ) منصوب في جواب النهي بتقدير أن بعد الفاء ، أي يعتمدوا ويتركوا الإجتهاد في حق الله تعالى ، فالنهي منصب على السبب والمسبب معا أي لا يكن منك تبشير فاتكال منهم ، وإنما رواه معاذ مع كونه منهيا عنه لأنه علم منه أن هذا الإخبار يتغير بتغير الزمان والأحوال ، والقوم يومئذ كانوا حديثي العهد بالإسلام لم يعتادوا بتكاليفه فلما تثبتوا واستقاموا أخبرهم ، أو رواه بعد ورود الأمر بالتبليغ والوعيد على الكتمان . ثم أن معاذا مع جلالة قدره لا يخفي عليه ثواب نشر العلم ووبال كتمه ، فرأى التحدث واجبا في الجملة ، ويؤيده ما روي في الحديث الذي يتلوه : ( فأخبر معاذ عند موته تأثما ) ، وقيل : إنما نهى النبي معاذا عن التبشير ، وأخبر به معاذ بعد تبشير النبي المؤمنين فلا يلزم ارتكاب المنهي لأن النهي عن التبشير لا عن الإخبار ( متفق عليه ) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي .
صفحه ۱۷۴