مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ویرایشگر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ویراست
الأولى
سال انتشار
1422هـ - 2001م
محل انتشار
لبنان/ بيروت
( 20 ) ( وعن أبي هريرة ) مر ذكره [ رضي الله عنه ] ( قال : قال رسول الله : قال الله تعالى : ) هذا حديث قدسي ، والفرق بينه وبين القرآن أن الأول يكون بإلهام أو منام أو بواسطة ملك بالمعنى ؛ فيعبره بلفظه وينسبه إلى ربه ، والثاني لا يكون إلا بإنزال جبريل باللفظ المعين ، وهو أيضا متواتر بخلاف الأول فلا يكون حكمه حكمه في الفروع ( كذبني ) بسكون الياء ويجوز فتحها أي نسبني إلى الكذب ( ابن آدم ) أي هذا الجنس ، والتكذيب هو الإخبار عن كون خبر متكلم غير مطابق للواقع ( ولم يكن له ذلك ) أي ما صح وما استقام وما كان ينبغي التكذيب له ( وشتمني ) الشتم توصيف الشيء بما هو إزراء ونقص فيه ، وإثبات الولد له كذلك لأنه قول بمماثلة الولد في تمام حقيقته ، وهي مستلزمة للإمكان المتداعي إلى الحدوث ( ولم يكن ) لائقا وحقا ( له ذلك ) الشتم ( فأما تكذيبه إياي ) تفصيل لما أجمله ( فقوله : لن يعيدني ) الإعادة هي الإيجاد بعد العدم المسبوق بالوجود ، فالمعنى لن يحييني بعد موتي ( كما بدأني ) أي أوجدني عن عدم وخلقني ابتداء أي كالحالة التي كنت عليها حين بدأني ، أو إعادة مثل بدئه إياي ، أو لن يعيدني مماثلا لما بدأني عليه ، أو لبدئه لي من تراب أي لا يقدر على ذلك ، أو لا يريد الإعادة من أصلها ، أو إعادة الأجسام . وكل ذلك كفر وتكذيب بالآيات القرآنية الدالة على الإعادة الجسمانية خلافا لما ذهب إليه حمقى كالأنعام بل هم أضل ولذا رد عليهم بقوله ( وليس أول الخلق ) يجوز أن يكون من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي ليس الخلق الأول للمخلوقات ، أو من قبيل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي ليس أول خلق الخلق والخلق بمعنى المخلوق ، أو اللام عوض عن المضاف إليه أي أول خلق الشيء ( بأهون ) الباء زائدة للتأكيد من هان الأمر يهون إذا سهل أي ليس أسهل ( علي من إعادته ) أي المخلوق ، أو الشيء بل هما يستويان في قدرتي بل الإعادة أسهل عادة لوجود أصل البنية وأثرها ، أو أهون على زعمكم وبالنسبة إليكم ، أو أسهل على المخلوق فإن العود يكون آنيا بخلاف الإيجاد فإنه يكون تدريجيا ، وفيه اقتباس من الآية 16 ( { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } ) [ الروم 27 ] ، وقيل : فيه تنبيه على مثال يرشد النبيه إلى فهم الحق ، وتقريره عنده وهو ما يشاهده إن من اخترع صنعة لم ير مثلها ولم يجد لها أصلا ولا عددا صعبت عليه وتعب فيها غاية التعب ، وافتقر إلى مكابدة أعمال ومعاونة أعوان ومرور أزمان ومع ذلك فكثيرا لا يتم له مقصوده ولا يظفر منه بطائل ، وشاهد ذلك ما وقع واستقرىء لأكثر طالبي صنعة الكيمياء حتى أن بعضهم لما توهم بعد فناء عمره وماله في معرفتها أنها صحت معه أزعجه الفرح بها إلى أن وقع من علو كان فيه فاندقت عنقه ، وأما من أراد إصلاح منكسر وإعادة منهدم وعنده عدد ذلك وأصوله فيهون عليه ذلك ، ويتم له مقصوده في أسرع وقت . فمن تدبر ذلك علم أن الإعادة أسهل من البداءة بالنسبة إلينا ، والحاصل أن إنكارهم الإعادة بعد أن أقروا بالبداية تكذيب منهم له تعالى ، والجملة حالية وعاملها قوله في ( فقوله ) ، وصاحبها الضمير المضاف إليه في قوله ( وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا ) أي اختاره سبحانه ، قالت اليهود : عزير ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله ، وقالت : العرب : الملائكة بنات الله ( وأنا الأحد الصمد ) الذي غير محتاج إلى أحد ، والجملة حالية كما مر ، واتخاذ الولد نقص لإستدعائه محالين أحدهما مماثلته للولد وتمام حقيقته فيلزم إمكانه وحدوثه ، وثانيهما استخلافه لخلف يقوم بأمره من بعده ، إذ الغرض من التوالد بقاء النوع فيلزم زواله وفناؤه سبحانه ، ولذا قال تعالى : 16 ( { تكاد السموات يتفطرن منه } ) الآية [ مريم 90 ] ، والأحد المنفرد المطلق ذاتا وصفاتا ، وفرق بين الأحد والواحد بأن الواحد لنفي مفتتح العدد ، والأحد لنفي كل عدد ، فالواحد ينبىء عن تفرد الذات عن المثل والنظير ، والأحد ينبىء عن تفردها عن كل نقص وإتصافها بكل كمال ، فكيف مع ذلك يحتاج إلى الولد ، والصمد هو الذي يحتاج إليه كل أحد وهو غني عنهم ( الذي لم ألد ) من قبيل
* أنا الذي سمتني أمي حيدرة * ) 2
أي لم أكن والدا لأحد لأن القديم لا يكون محل الحادث ( ولم أولد ) أي ولم أكن ولدا لأحد ، لأنه أول قديم بلا ابتداء كما أنه آخر بلا انتهاء ( ولم يكن لي كفوا ) بضم الكاف والفاء ، وسكونها مع الهمزة ، وبضمهما مع الواو ثلاث لغات متواترات ، يعني مثلا وهو خبر كان وقوله ( أحد ) اسمها ونفي الكفء يعم الوالدية والولدية والزوجية وغيرها .
( 21 ) ( وفي رواية ابن عباس ) أي في هذا الحديث بعد قوله : ( اتخذ الله ولدا ) ( وأما شتمه إياي فقوله : لي ولد ) وهو اسم جنس يشمل الذكر والأنثى ( وسبحاني ) وفي نسخة صحيحة بالفاء أي نزهت ذاتي ( أن أتخذ ) أي من أن أتخذ ( صاحبة ) أي زوجة لعدم الإحتياج ونفي الجنسية ( أو ولدا ) قال ابن الملك : شك من الراوي والظاهر أن أو للنوع ويدل عليه ما في جامع الحميدي ولا ولدا ، قال الطيبي : زيد لا لما في ( سبحاني ) من معنى التنزيه أي المرادف للنفي المقتضي للعطف في خبره بلا ، وفي الحديث من سعة حلمه تعالى ما يبهر العقل ، إذ لو وقع مثل ذلك لأدنى خلقه من غيره لحمله غضبه فيه على استئصاله من أصله مع ضعفه وعجزه ولم يفعل تعالى شأنه بمن قال ذلك شيئا بل أرشده للحق ودل عليه بأبلغ دليل وأوضحه ( رواه البخاري ) أعلم أن رواية البخاري عن أبي هريرة بلفظ : ( قال الله تعالى : شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ، وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني ، أما شتمه إياي فقوله : إن لي ولدا وأنا الله الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد ، وأما تكذيبه إياي فقوله : ليس يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ) وكذا رواه أحمد والنسائي ، وأما رواية البخاري عن ابن عباس فلفظه : قال الله تعالى : ( كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان ، وأما شتمه إياي فقوله : لي ولد وسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا ) كذا في الجامع الصغير فتأمل يظهر لك حقيقة الروايتين .
صفحه ۱۷۰