از عقیده تا انقلاب (5): ایمان و عمل - امامت
من العقيدة إلى الثورة (٥): الإيمان والعمل - الإمامة
ژانرها
61
كما يذكر حديث الفرق في الحواشي والشروح المتأخرة؛ أي إن التاريخ الموجه ظل ساريا في تاريخ العلم كله، يعاد ويكرر دون توقف، وما زال موجها شعوريا للحضارة.
62
وقد يذكر حديث الفرق في آخر المؤلفات الكلامية عندما يتحول التاريخ إلى جزء من بناء العلم.
63
حتى علم الكلام المتأخر الذي يسوده الطابع العقلي الخالص لم يسلم من الانفعالات، وتكفير الفرق، والطعن في إيمان الأشخاص.
64
ولكن هل يمكن كتابة تاريخ موضوعي للفرق دون أن يكون موجها، خاصة ولو كانت الفرق هي فرق المعارضة؟ هل يمكن كتابة تاريخ لتراث المعارضة من وجهة نظر تراث السلطة؟ إن ذلك يقتضي اتباع منهج تاريخي محايد يقوم على تقصي الحقائق، وعلى ابتغاء الموضوعية المطلقة دون تحريف أو تشنيع، أو زيادة أو نقصان، بالتحقق من صدق الروايات، وقد حاول ذلك بعض المؤلفين الذين اتبعوا هذا المنهج بدقة تامة في التحقيق التاريخي لصحة الروايات والمصادر. لا تعارض في هذه الحالة بين التاريخ الموجه والتاريخ الموضوعي، بل إن الموضوعية التاريخية قد لا تدرك إلا بالتوجيه الفكري لها؛ فالتوجيه الفكري هو الذي يحدد رؤية التاريخ. تقتضي الموضوعية عدة أمور، منها: عدم النقصان في رواية آراء المخالفين، التوثق من مصادر المعلومات، عدم أخذ العقائد من روايات الخصوم، الفصل بين المصادر الأولى والمصادر الثانية التي قد تشوه آراء المنقول، عدم الخلط بين المذاهب، عدم التشويه لها وتعمد تحريفها، أخذ أقوال الخصوم بألفاظها وليس فقط بمعانيها، الحياد في النقل
65 ... إلخ. ومع ذلك يصعب كتابة مثل هذا التاريخ لعدة أمور أيضا، منها أنه لا يمكن للشعور الموجه مهما كان موضوعيا توجيهيا أن يكتب تاريخا موضوعيا للفرق؛ إذ لا يمكن كتابة تاريخ نظري في مواقع صراع عملي، ولا يمكن كتابة تاريخ محايد دون نقد، دفاع وهجوم، مهما بلغ المؤرخ من حياد؛ فالمؤرخ جزء من عملية الصراع ذاتها، وطرف فيها بطريقة أو بأخرى، بتعاطف أو ميل أو هوى؛ لذلك لا يمكن كتابة عرض محايد دون تشويه للخصوم، ورسم صورة «كاريكاتيرية» له. لا يمكن كتابة تاريخ المعارضة مع الدقة المتناهية في الروايات، بل قد يعتمد المؤرخ على رواية ضعيفة ما دام فيها صورة مشوهة للمعارضة، أو رأي يسهل نقده، وموقف يمكن تجريحه، فينقل التراث المشوه دون الصحيح مع تلمس الأخطاء. وحتى مع النقل الصحيح لا تسلم الرواية من تأويل.
وهذا ما حدث بالفعل في كتابة تاريخ الفرق؛ فقد حدث خلط بين القيمة والتاريخ؛ إذ توضع الفرقة الناجية أولا في البداية كنمط تقاس عليه الفرق الضالة، وتعرض عقائدها كنموذج يحتذى لعقائد الفرق الضالة، وكأن عقائد الفرقة الناجية هي الحق، وما سواها انحرافات عنه. والحقيقة أنه تاريخيا لم تظهر عقائد الفرقة الناجية إلا في النهاية عندما حددتها الأشعرية في مذهب متسق، كرد فعل على سائر الفرق الأولى التي كانت تقوم بدور أهل السنة في الدفاع عن التنزيه ضد التأليه والتجسيم.
صفحه نامشخص